لبنانيات >أخبار لبنانية
بلدٌ على شفير التفليسة..
بلدٌ على شفير التفليسة.. ‎الأربعاء 10 تموز 2019 12:35 م
بلدٌ على شفير التفليسة..

جنوبيات

ما نقل عن سفراء دول الاتحاد الأوروبي في لبنان خلال اجتماعهم الشهري و"استياءهم من قلّة المسؤولية الوطنية التي تُوسِم تصريحات ومواقف عدد من المسؤولين والشخصيات السياسية في لبنان"، واستغرابهم "كيف أنّ بلدًا على شفير الهاوية لا يزال مسؤولوه يتصرفون بهذه الطريقة ولا يعطون الأولوية للقضايا الوطنية والاقتصادية" يلخص وبشكل دقيق مجمل المشهد اللبناني القائم. ذلك أن الملفات المعقدة والضاغطة، وحديث التفليسة المتعاظم، وسياسة المناكفات، لا تعطل عمل الحكومة (بالمناسبة اسمها حكومة إلى العمل) فحسب، بل تفتت الدولة شيئاً فشيئاً.. وما العقوبات الأميركية الجديدة على مسؤولين في "حزب الله"، بصرف النظر عن موقف الحزب أو الموقف اللبناني منها وما يمكن أن ينتج عنها بالمباشر أو ما إذا كانت ستتسبب بمزيد من المواجهات اللبنانية – اللبنانية، وإن استهدفت مكوناً معيناً، هي خطوة سيترتب عليها مزيد من الحصار المالي والحدّ من التحويلات الخارجية، وقد يستتبع ذلك، بحسب خبراء، تمنع الأسواق الخارجية عن استيعاب السندات اللبنانية.

الواقع أن لا أسبوع يمر من دون عنوان جديد لتأزم مستجد، لكن الملفت هو ذلك الترف السياسي الذي تعيشه الطبقة الحاكمة ولا يتناسب أبداً مع حجم المخاوف وضخامة التحديات التي تواجه البلد في السياسة والاقتصاد والمال والخدمات وسوق العمل؛ من حادثة قبرشمون الخطيرة إلى تعطيل عمل الحكومة وصراع الأجهزة وكيديات الإدارة، ومن الكهرباء إلى النفايات والمحارق.. وقبل كل ذلك البطالة وأزمة الإسكان وتراجع الحريات، وما بين هذا وذاك كلام يتعاظم بشكل يومي عن انهيار مالي وشيك كلها مؤشرات لتراجع لامسَ العقر، وبات ينذر بالانهيار الحتمي. انهيار لا يتجسد بأداء بعض من يمسك بالسلطة، بل يطال القيم والمفاهيم والأعراف، في الدستور والميثاق والقانون والإدارة والمجتمع والجامعات والبيئة.

تراكم المشكلات والتراجعات والتحديات الكبرى التي تواجه لبنان اليوم، ومعها انسداد أفق الحلول الداخلية، وما يرافقها من انهيارات وطنية وتهديدات خارجية، ناهيك عن فشل اعتماد سياسات جادة لمكافحة الفساد كمدخل لاستمرار المساعدات الخارجية وحصر تداعيات الفجوة الآخذة بالتوسع داخلياً، كل ذلك يفرض أسئلة جوهرية حول مدى إمكانية وقف التراجع، فضلاً عن اجتراح الحلول. لكن عبثاً نحاول البحث عن حلول خارج إطار الإجابة الجادة والموضوعية عن السبب الحقيقي للانهيارات القائمة.

لقد بات لزاماً إجراء مراجعة شاملة وعميقة لكل السياسات، الاقتصادية والمالية والاجتماعية والبيئية والثقافية والتعليمية والتنموية، وقبلها جميعاً معنى مرجعية الدولة والمواطنة وسيادة القانون، هل نشهد لحظة يعبّر فيها كل المستائين، نخباً وطبقات عاملة، من فساد أهل السلطة عن رأيهم، ويرفعون الصوت لقلب الصفحة السوداء؟ المشكلة، باختصار، ليست في فساد طبقة سلطوية معينة، بل في منظمة شاملة تؤمن استمرارية بعضها بعضاً. الاستنزاف القائم هو نهاية طبيعية لفكر المزرعة، ونتيجة حتمية لصمت الشعب.

نحن بحاجة لورشة وطنية لإستعادة معنى الدستور والميثاق والقانون والمواطنة والحريات والتنوع الثقافي ودورة الانتاج ودور المرأة ومكافحة الفاسد بشكل حقيقي لا كلاماً وشعارات. ثمة كثيرين، كثيرين جداً، لا يزالون يحلمون بوطن لهم ولأبنائهم لا تخنقه سموم التلوث، السياسي والبيئي، ولا يتحدد على قياس مصالح طبقة أو حزب أو مجموعة.    

في الطريق إلى التغيير الذي يطمح إليه كثيرون ولا يعرفون إليه سبيلاً، يبدو الحديث عن الفساد والإهمال والتقصير غير ذي معنى. ببساطة لا أحد من المقصرين يخشى المحاسبة، ولا أحد من المسؤولين يريد الإصلاح.. ولا أحد من المتأذين يريد التمرد والثورة.. وبسبب ذلك يبدو لبنان وكأنه سائر نحو التفليسة!

المصدر :