عام >عام
عصام أبو درويش ... رجل المهام الخاصة
عصام أبو درويش ...  رجل المهام الخاصة ‎الثلاثاء 5 تشرين الثاني 2019 08:22 ص
عصام أبو درويش ...  رجل المهام الخاصة
الراحل عصام أبو درويش

هيثم زعيتر

بعد طول مُعاناة مع المرض، رحل عصام محمد أبو درويش "أبو محمد" (عن 79 عاماً)، تاركاً دار الفناء إلى دار البقاء.
رحل الرجل التي لم تُبدّله ظُروف الحياة بحلوها ومُرّها، برخائها وشدّتها، فكان بحق نِعم الرجال يوم نُدرتهم.
عن ماذا نتحدّث؟
عن السياسي، أو الإعلامي، أو المُقاوِم، أو الرياضي، أو الاجتماعي، أو رجل الخير والبر... إنّه عصام أبو درويش... الإنساني!
أبصر النور عام 1940 في بلدة الوردانية في إقليم الخروب، كان صاحب هامة ممشوقة صقلتها الرياضة، التي أحب، ما دفعه إلى اختيار اختصاص التربية الرياضية في دار المُعلّمين، وتكريسها بإقامة مُخيّمات تدريب كرة القدم.
وعى باكراً أهمية الصحافة، فبدأ بمُمارستها منذ العام 1960، حيث ترأس في العام 1967 جريدة يومية سياسية، وفي العام 1968 أصدر مجلة أسبوعية سياسية، قبل أنْ يُشارِك في العام 1975 بإصدار جريدة يومية سياسية، بقي إصدارها حتى العام 1979 - أي بعد اختطاف الإمام السيد موسى الصدر - الذي كانت تربطه به علاقات صداقة قوية، فاتخذ قراراً بالتخلّص نهائياً من المُؤسّستين الصحفيتين، قبل أنْ يعود ويشتري امتياز صحيفة سياسية يومية، هي "الشعب"، لكن المرض حال دون أنْ يُصدِرها.
نسج عصام أبو درويش مروحة علاقات واسعة، تجاوزت المُكوّنات اللبنانية إلى سوريا والعراق، ومع شخصيات عربية ودولية، وظّفها لصالح لبنان والقضايا الوطنية والقومية.
كنتُ أجلس إلى الأستاذ عصام لساعات طويلة، استمعُ منه إلى العديد من المحطّات التي مرّ بها وعايشها، فكان يتمتّع بذاكرة مُتّقدة، مقرونة بالتواريخ ودقّة الوقائع، وتقييم دقيق للأمور، يُميّزها بين المعلومات التي تتوافر لديه من مصادر مُتعدّدة، والخبرة التي اكتسبها من تجربته الغنيّة، وسرعة بديهته، ولسانه المِطواع، فيخرج بتحليل دقيق يتجاوز المرحلة لرؤية مُستقبلية برأي سديد.
يُسجّل لـ"أبو محمد"، تميّزه نبرة صوته، وجرأته، وصراحته ووضوحه، كخط القطار، لا يُجامِل ولا يُهادِن، لا مزيج ألوان لديه، بل اللونان الأبيض والأسود فقط.
كان يحرص على تقريب وجهات النظر وعقد المُصالحات والوقوف إلى جانب الأصدقاء في المُلمّات والشدائد، وله "مونة"، فلا يُردُّ له طلب، بعدما تتحوّل قضيّة مَنْ يقصده إلى شخصية تعنيه، فإذا وعد وفى، وإذا عاهد التزم وأنجز، فأضحى صاحب "مدرسة في الوفاء".
صاحب الطلّة البهيّة، والابتسامة المعهودة، تميّز بالإلتزام بالواجبات الاجتماعية، فرحاً وترحاً، وكرمه الطائي، وضيافته وشهامته، رافعاً شعار: "مِن نعم الله عليك حاجة الناس إليك".
لا شك في أنّ "كنز المعلومات" الذي امتلكه "أبو محمد" كبير جداً، حرص على توثيقه، دون نشره!
لم يسعَ الراحل عصام أبو درويش في يوم من الأيام إلى منصب رسمي، والحصول على ذلك كان أمراً يسيراً بالنسبة إليه، بل كان عرّاباً ومُعبِّداً الطريق أمام كُثُر للوصول إلى مراكز رسمية ونيابية ووزارية ورئاسية.
وتُسجّل له مواقفه في المُلمّات والشدائد، وأيضاً المهام الخاصة، التي قام بها في محطات ومفاصل هامة، منها:
- علاقة الصداقة المتينة مع الرئيس حسين الحسيني، والعمل على توطيدها مع القيادة السورية، حيث كان يتولّى هذا الملف صديق "أبو محمد" اللواء محمد ناصيف "أبو وائل"، وانتخاب النائب الحسيني في العام 1984، رئيساً للمجلس النيابي بدلاً من الرئيس كامل الأسعد، حيث استمر بهذا المنصب حتى العام 1992.
- العلاقة الوطيدة مع رئيس حركة "أمل" الوزير نبيه بري، وتوليه مكتب المصيلح في بداية تسعينيات القرن الماضي، وإشرافه على العملية الانتخابية التي جرت في 7 أيلول 1992، وأسفرت عن فوز كامل أعضاء "لائحة التحرير" في الجنوب، التي ترأسها الوزير بري، ونافسهم فيها الرئيس الأسعد، حيث عمل "أبو محمد" على رفع نسبة الاقتراع، خاصة أنّ قسماً كبيراً من المُرشّحين، كانوا جُدُداً وغير معروفين، وبينهم مَنْ لم يُصدّق عندما هاتفه داعياً إياه للانضمام إلى اللائحة!
- ارتبط بعلاقات مع قائد الجيش العماد إميل لحود، وعمل على تأمين دعم المُؤسّسة العسكرية بالأعتدة العسكرية.
ويوم انتخاب العماد لحود رئيساً للجمهورية (24 تشرين الثاني 1998)، انتقل بسيارة أبو درويش من الحمّام العسكري إلى القصر الجمهوري في بعبدا لتسلّم مهامه.
- تميّزت علاقة الراحل الوطيدة بالرئيس أمين الجميّل وعائلته، بما في ذلك من دور في تفاصيل مُتعلّقة بعقد مؤتمري الحوار الوطني (جينيف 1983) و(لوزان 1984)".
وكان "أبو محمد" عرّاب عودة الرئيس الجميّل من  باريس إلى لبنان (30 تموز 2000)، ومن ثم ترتيب الزيارة إلى سوريا، ولقائه عدداً من المسؤولين السوريين هناك، لإعادة العلاقة بينهما.
وقد حرص الرئيس الجميّل على المُشاركة في مراسم التشييع وتقبّل التعازي.
- نسج أبو درويش علاقة صداقة مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري، حيث كانت تعقد بينهما لقاءات دورية، وتكاد تكون أسبوعية.
وبعد خروج الرئيس الحريري من الحُكم في عهد الرئيس لحود، و"فبركة" ملفات "كيدية" لعدد من المُقرّبين منه، وبينهم مدير عام وضابط (ما زالا على قيد الحياة)، تدخّل "أبو محمد" مع الرئيس لحود، وتم سحب مُذكّرات التوقيف الصادرة بحقهما.
قبل اغتيال الرئيس الحريري بيوم واحد، وتحديداً يوم الأحد في 13 شباط 2005، وفي ظل "كيدية" السلطة، لمّا عرف بأزمة توزيع صفائح الزيت، كانت جلسة مُطوّلة بين الرئيس الشهيد و"أبو محمد"، تخلّلتها جولة أُفق سياسية، واتصال مع شخصية رسمية عربية، لتحديد موعد لزيارة الرئيس الشهيد، لم يتم، بفعل جريمة الاغتيال.
عندما كان يجري الحديث عن تشكيل "المحكمة الدولية الخاصة بلبنان"، وبعد انتهاء تقديم التعازي بالرئيس الشهيد في مجدليون، عقد لقاء بين أفراد العائلة وأبو درويش، وكان له دور بموافقة الرئيس لحود على إنشاء المحكمة، التي جرى تدوين شهادته لديها عن تفاصيل اللقاء الأخير مع الرئيس الشهيد.
- ارتبط بعلاقات صداقة مع الرئيس العماد ميشال سليمان، منذ أنْ كان قائداً لأحد ألوية الجيش اللبناني المُنتشرة في الجنوب، ثم بعد تعيينه قائداً للجيش (21 كانون الأول 1998)، واستمرّت بعد انتخابه رئيساً للجمهورية (25 أيار 2008).
- لم تقتصر المهام التي قام بها أبو درويش على الساحة اللبنانية، بل تعدّت ذلك، وبينها علاقته الوطيدة مع القيادة السورية، حيث تولّى بتكليف سوري رسمي رفيع، ترتيب إعادة العلاقات مع العراق.
- اختار أبو درويش 1 آب 2004، عيد الجيش اللبناني، الذي أحب، ليُعلِن عن إنشاء "تجمّع لبنان الواحد - الكيان" كإطار تنموي، عمل من خلاله على إيلاء الاهتمام بالمُجتمع والطلاب والثقافة، وإقامة دورات تعليم اللغة الإنكليزية والكمبيوتر والتوعية، والرياضة والبيئة، فضلاً عن الطبابة والاستشفاء من خلال 6 مراكز مُوزّعة على مناطق عدّة، ومزوّدة بأحدث المُعدّات الطبية لتأمين العلاج والدواء إلى المُواطنين بأسعار رمزية، ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل كانت المُستوصفات النقّالة تنتشر في المناطق الجنوبية كافة لتقديم العلاج والدواء مجاناً مع جهوزية "فريق الإسعاف الأولي".
تعرّض "مركز الكيان" في المصليح وسيارات الإسعاف، للعدوان الإسرائيلي في تموز 2006، فدُمِّرَتْ أجزاء منه وسيارات الإسعاف، لكن كل ذلك لم يحل دون إعادة تجهيز البديل.
كان أبو درويش يحرص على تقديم مُساعدات دائمة في شهر رمضان المُبارك والمناسبات الإسلامية والمسيحية، والتي لا تقتصر على الحصص الغذائية والتموينية والهدايا، وإرسال بعثات للحج والعمرة والزيارة، بل مُساعدات كان يضعها بتصرّف رجال الدين ورؤساء البلديات والمخاتير والجمعيات والهيئات لمُساعدة المُحتاجين، مُساهماً ببناء المساجد والكنائس والحسينيات ودور العبادة، والبلديات والملاعب والقاعات والنوادي، مُجسّداً التعايش الذي تربّى عليه.
وطَّد "أبو محمد" العلاقات مع مُختلف الهيئات، ومدَّ يد المُساعدة إلى الجيش والقوى الأمنية وقوّات الطوارئ الدولية.
الشاب الذي تربّى على حُب الخير، تفتّحت عيناه على القضايا الوطنية والقومية، وفي الطليعة قضية فلسطين، التي قدّم لها ولأجلها الكثير، وخلال العام 2010 وبعدما تمّت "فبركة" ملف ضد مسؤول فلسطيني بارز، وعرض القضية على الأستاذ عصام - وعلى الرغم من مرضه إلا أنّه تحامل على نفسه - وقصد اللواء "أبو وائل" في دمشق، مُنهياً القضية في زيارة واحدة، وهو الأمر ذاته الذي حصل عندما استقبل قائد الجيش العماد جان قهوجي، في دارته بالمصيلح، فكان إنهاءً للملف نظراً إلى ثقتهما وقناعتهما بصدقيّته.
العلاقة مع فلسطين وطيدة، كيف لا، وهو ما تربّى عليه في منزل عائلته، حيث كان يُطلِق على والدته "أم عصام" لقب "إم الثورة".
والحادثة التي حصلت معي، زادتني قناعة بذلك، فخلال زيارتي الأولى إلى رام الله في الضفة الغربية في فلسطين المُحتلة في شهر آب 2009، استوقفني فدائي كان في لبنان، هو صايل عبد العزيز الديك، وفاجأني بأنّه يضع في عُنُقه قلادة لصورة شاب مع حاجة، لم تكن إلا "أم عصام" أبو درويش، مُحتفظاً بصورة تجمعه معها منذ كان يتواجد في بيروت أواخر سبعينيات القرن الماضي، قبل أنْ يسرد كيف احتضنتهم خلال تواجده مع فدائيين من الضفّة الغربية في الطريق الجديدة في بيروت، حيث كانت تُقيم.
أما المفاجأة الأكبر، فكانت عندما أحضر لي في اليوم التالي صورة يحتفظ بها إبن عمّه جواد إبراهيم الديك، تجمع فقط الحاجة "أم عصام" مع حفيديها محمد وسامي عصام أبو درويش في العام 1978، وبقي ينقلها معه ويُخبِر عائلته بأنّ هذه الحاجة هي "أم لي"، لما كانت تُعامله وكأنه أحد أفراد أسرتها.
عندما عدتُ إلى لبنان، وزرتُ الأستاذ عصام في شهر أيلول 2009 في مزرعته بالمصيلح، وبعد الاطمئنان على فلسطين وأهلها، وضعت الصورة أمامه، فأُصيب بمفاجأة لم تكن بالحسبان.
اغرورقت عينا "أبو محمد"، وهي المرّة الأولى التي أشاهده فيها في مثل تلك الحال، غصّ مُطوّلاً مُسترجعاً شريط الذكريات، وأجابني: "إنّها من أغلى الهدايا في حياتي، لقد أعدّتَ لي جزءاً عزيزاً من حياتي، هو جزء افتقدته ولم أستطع أنْ أعوّض أيّ أثرٍ له، بعدما أتت الحرب العبثية، على كلّ الصور الخاصة بنا مع والدتي، اليوم تصلني ومن فلسطين هذه الصورة، التي تجمع أغلى ما لديّ في هذه الدنيا، والدتي - رحمها الله - وابنَيْ محمد وسامي، وهي تحتضنهما، لتدل على مدى المكانة التي لهما في قلبها".
وما لبث أنْ رفع هاتفه، مُتصلاً بنجليه محمد وسامي، وأبلغهما عن أمانة وهدية غالية، وبعد ساعات كانت نسخٌ مُكبّرة عن هذه الصور، واحدة وضعها في منزله وأخرى لدى محمد، وثالثة لدى سامي.
رحل الأستاذ عصام أبو درويش، بعد مرض عضال استمر لسنوات عدّة، حيث ووري الثرى في المكان الذي اختاره ليشيد به منزلاً في المصيلح - قضاء صيدا بعد تحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي في العام 1985، وكان مُحتضناً وشاهداً على أحداث ومحطات عديدة.
وقد شاركت في التشييع وتقديم التعازي حشود غفيرة ومن مُختلف المناطق والطوائف.
رحم الله "أبو محمد" وأسكنه فسيح جنانه، وألهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان.

الحاجة إم عصام أبو درويش مع حفيديها محمد وسامي

 

المصدر : اللواء