الأحد 1 كانون الأول 2024 17:34 م

"اللصّ المحترف"!


* جنوبيات

في هذا الزّمن المخيف، حيث اختلط الحابل بالنابل، وامتزج الحلو بالمرّ، وتشرذمت العقول باللامعقول، ولم نعد نتذوّق حلاوة المعمول، وطعم حامض الفول، وأصبح المسؤول غير مسؤول، والمسطول أضحى ظريف الطول، والقصير تنطّح على الكبير، والصغير جاوز بتجهّمه القمطرير، ولم تعد لذّة النوم في السرير، وتصدّر الحصير مكان الحرير، ولم يعد خرير النهر يعذب، ولا زقزقة العصافير تطرب.
وبغفلة من زمن أغرّ، وعلى عجالة مرتكز المقرّ، ظهر وبدأ الأمر الأمرّ، حيث وكما ذكر المولى القدير، لم يعد ينفع المال ولا البنون أمام جنون المنون.
وفجأة وعلى حين غرّة سطى اللصّ المحترف على المجرّة.
إنّه الهاتف المحمول السارق الذي تجاوز قدرات عسقلة، وحطّم مقاييس تصرّفاته، ولم يأخذ بتوجّهاته ولا بقواعد السلوك في سرقة المملوك.
إنّه لصّ فاقت قدراته كلّ منظور، وتشعّبت أبجديّاته مع كنه المقدور، وفاق في مفرداته قواعد ابن منظور.
إنّه اللصّ الذي سرق العقول والأوقات، واختلس الجهد والطاقات، وسلب منّا أجمل العلاقات.
سرق منّا السعادة واختلس الحبور.
سلب منّا الثبات وسطى على قوّة الحضور.
انتشل منّا اللحظات السعيدة، وضيّع أعمارنا على عجل.
تسبّب في خراب البيوت، ودمّر بشراسة فائقة النّابت والمنبوت.
والعجب العجاب أنّه فعل كلّ هذا بملء إرادتنا، ومحض مشيئتنا.
فنحن من أدخلناه إلى بيوتنا ومكاتبنا.
فولج كنه حياتنا بعد أن أجرينا له وكالة عامّة شاملة مطلقة.
فناب عنّا بالتفكير والتصدير والتدبير وأورثنا حرق الأعصاب ودمار العقول وخراب التبذير.
لقد سرق كلّ جميل في الحياة وسرّع الوقت نحو حفرة الممات.
إنّه اختراع غايته الإبعاد عن تاريخ الأجداد، وحاضر الأمجاد، ومستقبل الأولاد.
وصدق ربّ العزّة في محكم التنزيل عندما قال:
"فذكّر إنّما أنت مذكّر، لست عليهم بمسيطر".
صدق الله العظيم...

المصدر :جنوبيات