بأقلامهم >بأقلامهم
نهر الجنون.. مرة أخرى
نهر الجنون.. مرة أخرى ‎الجمعة 4 04 2025 17:21 الشيخ ماهر حمود
نهر الجنون.. مرة أخرى

جنوبيات

منذ حوالي ثلاث وثلاثين عاما في العام 1992، القيت خطبة متلفزة، لاقت رواجاً كثيراً وتساؤلات، اعتمدت فيها على قصة رواها الاديب الكبير جبران خليل جبران، تحدث فيها عن قرية فيها نهر يسبب الجنون لمن شرب منه، فشرب منه الجميع واصيبوا بالمس، الا رئيس هذه القرية ومساعده، فعجز هذان عن العيش مع المجانين، فعمدا الى الشرب من هذا النهر ليستطيعا التعايش مع سائر ابناء القرية، فعاشوا، نحن نقول من الآن حتى يأتي وعد الله: لن نشرب من نهر جنونكم ايها المطبعون، ايها المستسلمون، يا اعداء المقاومة، يا اصدقاء العدو الصهيوني بشكل مباشر او غير مباشر، نحن ثابتون باذن الله حتى يأتي وعد الله، وندعو الله بالثبات حتى يأتينا اليقين.
نقول هذا لأن مظاهر التطبيع والنفوذ الصهيوني وصلت الى اوجها، حيث دمنا يسقط في غزة بكل انحائها انهاراً وفي سائر فلسطين الجريحة، وتصل يد الصهيوني الى ادلب وحمص وحماة ودرعا، حيث سقط ابطال مميزون، وصولا الى صيدا حيث اغتيل بطل من ابطال القسام مع ابنه وابنته، حيث لا نعلم نحن ان ثمة، ابطالا بهذه الاهمية بيننا، عنيت القائد حسن فرحات وعائلته، فيما نرى ان بعض العرب يتسابقون على طريق التطبيع والذل، حيث نرى الامارات، على سبيل المثال لا الحصر، تستورد منتجات من المستوطنات الصهيونية غير الشرعية، والتي لا تستورد منها اوروبا، التزاماً بالقانون الدولي، اما الامارات فتستورد لتحظى بود الصهاينة، واما مصر فتعاني من الموقف الصهيوني في سيناء، رغم كل ما قدمته من تنازلات... الخ.
ويصل التدخل الاميركي ومن خلفه الصهيوني الى تفاصيل الحياة السياسية اللبنانية فلم يُطرح، على سبيل المثال، لحاكمية مصرف لبنان، مرشح واحد يتحلى برؤية وطنية واضحة، فكان لا بد من انتقاء "الاقل سوءاً"، اذا جاز التعبير، وسواءً وفق المعنيون ام لم يوفقوا، والله اعلم.
الجو العام يبرر لضعاف النفوس الاستسلام، ونحن نقول اننا ثابتون حتى يأتي وعد الله، ويخرق المشهد القاتم بعض فلتات اللسان مما يبدو كأنه رسالة الهية تأتي من حيث لا يتوقع احد: الرئيس التركي اردوغان بكل ما في سياسته من شوائب، تحدث عن زوال اسرائيل، وقضاة مصريون على قوس المحكمة يتحدثون عن ذلك ... الخ.
مهما علت اسرائيل وفسدت فنهايتها محتومة، نحن الآن في مرحلة (... وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6)) (الاسراء)، ويزداد المشهد سوادية عندما نرى بعض كبار علماء الدين ينحرفون انحرافات غير محسوبة، د. عدنان ابراهيم رغم علمه الغزير وابحاثه العميقة، الا انه انزلق انزلاقة بشعة عندما اتهم المقاومة بالبيع (لقد تم بيعنا)، كما زعم، من باعك ايها ... ... السنوار ام هنية ام العاروري...؟ من؟ هؤلاء الزهاد الابطال الكرارون؟ ام من؟ ارى قوله تعالى أمام ناظريّ (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5)) (الجمعة)، اما عثمان الخميس فخرج من ضوابط العقل والشريعة معاً، عندما اتهم حركة حماس بالانحراف وقال: سنعمل على تفكيكها او تخريبها اذا تمكنا من ذلك، اما في دار الفتوى في لبنان فان المجرم سمير جعجع يكرم  ويقاطع حزب الله، اما المرحوم العلامة الكبير المحدث ابو اسحق الحويني فموضوع آخر، برر لحماس علاقتها بايران، باعتبارها الداعم الوحيد، ولكنه اتهم الشيعة بان لهم مصحفاً غير مصحفنا، وان دينهم غير ديننا، معتمداً على "مؤلفيْن" لا يشكلان اية قيمة في علوم الشيعة، نعمة الله الجزائري، والطبرسي النوري، كلاهما كتب عن القرآن كلام كفر وانحراف، وتحدثا عن تحريف القرآن، واللافت ان عشرات العلماء والمراجع الحقيقيين لدى الشيعة ردوا على هذيْن وادانوهما  بل شتموهما، ولكن العلامة الحويني اعتمد عليهما ولم يعتمد على مئات العلماء والمراجع الذين اكدوا ان القرآن الكريم لم يُحرفّ، وان المصحف الذي بيننا هو مصحف المسلمين جميعاً.
نحن هنا لا ندافع عن اخواننا الشيعة ، فعندهم من يدافع عنهم ويثبت ما نقول وغيره، ولكنا نأسف ان علماء كباراً نفخر بهم وبانجازاتهم، ولكن يفقدون المقياس الشرعي عندما يتحدثون عن "اخصامهم" ... وللاسف.
دون ان ننسى ما نكرره دائماً، مذهب اهل السنة والجماعة أقوى حجة وتماسكاً من اي مذهب آخر، وهذا لا يعني ان نُخرج الآخرين من الاسلام اعتماداً على أوهام وترهات.
كثرة الداعين الى الاستسلام والتطبيع لا تجعلهم على الحق، كما ان اختلال الموازين لا تدفعنا الى ادانة المقاومة، ونستذكر هنا موقف اهل الاعراف يوم القيامة، حيث ينظرون الى اهل الجنة فيروْن فيها من كانوا يُتهمون في الدنيا بالسَفَهِ وقلة العقل، فيما ينظرون الى اهل الجنة فيروْن فيها من كثر اتباعهم في الدنيا وعلت مقاماتهم، مما يؤكد ان كثرة الاتباع وعلو المقامات في الدنيا، ليس هو الشرط الذي يُدخل الى الجنة، وان سخرية الساخرين واستخفاف المستخفين لا يمنع الفقراء والضعفاء والمتهمين من الدخول الى الجنة، (وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48)) (الاعراف).
نؤكد في نهاية الامر ان التطبيع مشروع فاشل، وان خط المقاومة هو الذي سينتصر رغم ما يحيط بنا من ظروف وضغوطات وغير ذلك، ونحن ثابتون  (وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74)) (الاسراء) .

المصدر : جنبويات