8 ربيع الأول 1447

الموافق

الأحد 31-08-2025

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

أخبار عربية

أخبار دولية

شراكة زراعية عربية واعدة بين بيروت والقاهرة نحو أمن غذائي مستدام
شراكة زراعية عربية واعدة بين بيروت والقاهرة نحو أمن غذائي مستدام
2025-08-31

برزت زيارة وزير الزراعة في الجمهورية اللبنانية الدكتور نزار هاني إلى جمهورية مصر العربية بين 26 و28 آب 2025، كحدث استراتيجي ومفصلي في مسار الدبلوماسية الزراعية اللبنانية والعربية، في ظلّ التحديات العالمية المتسارعة، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية مع تداعيات التغير المناخي وضغوط الأمن الغذائي العالمي.

ففي لحظة إقليمية دقيقة تتطلب تضافر الجهود العربية لمواجهة نقص الموارد المائية، تراجع الإنتاجية الزراعية، والارتفاع الحاد في كلفة الإنتاج وسلاسل الإمداد، شكّلت هذه الزيارة منصة عملية لإعادة تعريف دور الزراعة كرافعة للتنمية المستدامة والأمن القومي العربي.

وأطلق الوزير هاني مع نظيره المصري، وزير الزراعة واستصلاح الأراضي علاء فاروق، أعمال الدورة الخامسة للجنة الزراعية الفنية المشتركة بين البلدين، بحضور وفد لبناني رسمي رفيع المستوى ضمّ مديرين عامين وخبراء من وزارة الزراعة، إلى جانب ممثلين عن القطاع الخاص الزراعي، ما عكس شمولية المقاربة اللبنانية القائمة على الدمج بين الدبلوماسية الرسمية والدبلوماسية الاقتصادية – العلمية في آن واحد.

أولاً: أبعاد استراتيجية – من التعاون الثنائي إلى التكامل العربي

تؤكد هذه الزيارة أنّ التعاون الزراعي بين لبنان ومصر ليس جديداً، بل يستند إلى تاريخ طويل من التبادل التجاري والعلمي والزراعي، حيث لعبت مصر دوراً محورياً في استيعاب المنتجات اللبنانية، فيما وجد لبنان في مصر شريكاً أساسياً لتبادل الخبرات في الري، استصلاح الأراضي، ومكافحة الآفات.
غير أن الجديد في هذه المرحلة هو الانتقال من مجرد التعاون إلى التكامل المؤسَّس والهيكلي، بما يسمح بوضع خريطة طريق طويلة المدى ترتبط مباشرةً بمفاهيم:

• الأمن القومي الغذائي العربي.

• إدارة الموارد الطبيعية العابرة للحدود (المياه، السلالات، الأسواق).

• التأقلم مع التغيرات المناخية التي لم تعد شأناً محلياً بل تحدياً إقليمياً.

ثانياً: مصر – نموذج في التوسع الزراعي والتكنولوجيا الحديثة

عرض الوزير فاروق المشروعات القومية المصرية التي أعادت رسم المشهد الزراعي في البلاد:

• استصلاح 4 ملايين فدان كمشروع استراتيجي لتأمين الأمن الغذائي المحلي والعربي.

• المشروع القومي للصوب الزراعية الذي يوفّر إنتاجاً عالياً بجودة مميزة ويحدّ من استهلاك المياه.

• برنامج تطوير الريف المصري (حياة كريمة) الذي يدمج التنمية الزراعية مع التنمية الاجتماعية.

• تطوير الميكنة الزراعية والرقمنة من خلال نظم معلومات زراعية وقواعد بيانات للمزارعين.

وأكد فاروق أنّ مصر ترى في لبنان شريكاً نوعياً بحكم موقعه الجغرافي، جودة منتجاته الزراعية، وانفتاحه على الأسواق الأوروبية والإفريقية، وهو ما يجعل التعاون ليس مجرد تبادل تجاري بل منصة مشتركة للتصدير والتسويق الزراعي المتكامل.

ثالثاً: لبنان – من التحدي إلى المبادرة
في عرضٍ شامل لرؤيته، أكّد الوزير هاني أنّ لبنان يواجه منذ سنوات أزمات مركّبة على المستويات الاقتصادية والبيئية والزراعية، لكنه استطاع تحويل هذه التحديات إلى فرصة لصياغة رؤية زراعية وطنية مبتكرة ترتكز على خمسة محاور رئيسية:

1. تطوير الزراعات الذكية مناخياً (Smart Agriculture)لمواجهة الجفاف، وموجات الحر، والتقلبات المناخية، بما يعزز مرونة الإنتاج الزراعي.

2. اعتماد نظم الري المقتصد باستخدام الطاقة الشمسية، وتقنيات التنقيط، والري المحوري، لضمان الاستدامة المائية وتقليل الهدر.

3. تفعيل الزراعة التعاقدية التي تربط المنتج مباشرة بالمستهلك، بما يساهم في استقرار الأسعار وحماية المزارعين.

4. تعزيز البحث العلمي الزراعي في الجامعات والمراكز الوطنية وربطه مباشرة بحاجات السوق العربي، لدعم الابتكار الزراعي المحلي.

5. فتح أسواق جديدة عبر شراكات استراتيجية، أبرزها التعاون مع مصر كبوابة نحو إفريقيا والأسواق الخليجية، بما يعزز تنافسية المنتج اللبناني.

وأشار الوزير هاني إلى أنّ لبنان لا يكتفي بنقل التجارب الدولية، بل يسعى ليكون مصدراً للحلول الزراعية المبتكرة وركيزة أساسية في شبكة الأمن الغذائي العربي، مؤكدًا على دوره القيادي في تحويل الرؤية إلى مبادرات عملية تعزز التنمية الزراعية المستدامة في المنطقة.

رابعاً: أولويات التعاون – خريطة طريق عملية

اتفق لبنان ومصر في ختام أعمال اللجنة الزراعية الفنية المشتركة على وضع خريطة طريق عملية تشكّل برنامج عمل للسنوات المقبلة، حيث شملت الأولويات:

• زيادة التبادل التجاري الزراعي عبر فتح السوق المصري أمام التفاح اللبناني بكميات أكبر، وفق معايير الصحة النباتية وسلامة الغذاء.

• تشكيل لجان علمية مشتركة متخصصة بتبادل الخبرات في مجالات:

o التغير المناخي وإدارته،

o تقنيات الري وإدارة الموارد المائية،

o تحسين السلالات الحيوانية،

o الاستزراع السمكي وإنتاج الأصبعيات،

o التعاونيات والتنمية الريفية المستدامة.

• إطلاق برامج تدريب وتبادل خبرات بين الباحثين والمزارعين في البلدين.

• التحضير لتوقيع اتفاقيتين في تشرين الأول 2025 خلال اجتماع اللجنة الوزارية المشتركة، إحداهما بحثية والأخرى تنموية.

• إنشاء منصة عمل مشترك في كانون الثاني 2026 تجمع المصدرين والمستوردين والمستثمرين اللبنانيين والمصريين، بما يعزز حركة التجارة الزراعية والاستثمار المتبادل.

وتُعتبر هذه الأولويات بمثابة ترجمة عملية للرؤية الاستراتيجيةالتي أعلنها الوزيران، بما يرسّخ التعاون العلمي والاقتصادي، ويؤسس لشراكة زراعية عربية نموذجية بين لبنان ومصر.

خامساً: زيارات ميدانية – من المختبر إلى الحقل

حرص الوفد اللبناني برئاسة الوزير هاني على أن تتجاوز الزيارة الطابع البروتوكولي، فشملت جولات ميدانية وعلميةإلى مؤسسات بحثية وإنتاجية مصرية، جسّدت عملياً مفهوم "البحث من أجل التنمية" وربط المختبر بالحقل والقطاع الخاص، وذلك على النحو الآتي:

• مركز البحوث الزراعية (ARC): اطّلع الوفد على برامج استنباط أصناف جديدة من المحاصيل تتسم بمقاومة للجفاف وملوحة التربة، بما يفتح آفاقاً لتبادل الخبرات في مواجهة التغير المناخي وتدهور الأراضي، وهما من أبرز التحديات المشتركة بين لبنان ومصر.

• المعمل المركزي لتحليل متبقيات المبيدات: عرض الجانب المصري آليات الرقابة المخبرية الدقيقة التي يعتمدها لضمان مطابقة الصادرات الزراعية للمعايير الدولية، بما يمكّن من تعزيز ثقة الأسواق العالمية بالمنتجات الزراعية، وهو ما يشكّل دعامة أساسية لزيادة الصادرات اللبنانية.

• معهد بحوث الصحة الحيوانية: جرى استعراض عمل المختبرات المرجعية المتخصصة بالأمراض العابرة للحدود، مثل الحمى القلاعية وإنفلونزا الطيور، والتشديد على أهمية التعاون العلمي في مجال الأمن الصحي الحيواني وحماية الثروة الحيوانية في البلدين.

• المتحف الزراعي بالدقي: مثّل محطة ثقافية – علمية، عكست ذاكرة حضارية لتجربة مصر الزراعية الممتدة منذ آلاف السنين، وأبرزت دور التوثيق والمعرفة التاريخية في تشكيل السياسات الزراعية المعاصرة.

• مزارع الإنتاج الحيواني بالنوبارية: شكّلت مثالاً متقدماً على التكامل بين الإنتاج والتدريب التطبيقي للطلاب والباحثين ودعم صغار المزارعين، ما يشكّل نموذجاً قابلاً للاقتباس في خطط التنمية الريفية اللبنانية.

• المفرخ السمكي بالإسكندرية: باعتباره مركزاً إقليمياً متطوراً لتكثيف الإنتاج السمكي وتربية الأصبعيات، طرح فرصاً للتعاون في الاستزراع السمكي البحري والنهري، وهو قطاع واعد في لبنان لتعزيز الأمن الغذائي.

• الغرفة التجارية بالإسكندرية: أتاح اللقاء مع رجال الأعمال والمصدرين المصريين نقاشاً مباشراً حول تسهيل حركة التبادل التجاري الزراعي، وإمكان بناء شراكات تصديرية واستثمارية جديدة.

• شركة eNovate: قدّمت للوفد تجربة رائدة في تطوير السجل الزراعي الرقمي (Agri-Registry)، الذي يوفّر قاعدة بيانات دقيقة عن المزارعين والمحاصيل، ويتيح اعتماد سياسات زراعية مبنية على البيانات (Evidence-Based Policies)، وهو ما يتقاطع مع خطة وزارة الزراعة اللبنانية لتحديث أنظمة التسجيل والدعم.

وتُبرز هذه الجولات أن التعاون اللبناني – المصري لا يقتصر على القرارات الرسمية، بل يترسخ عبر تبادل الخبرات العلمية، وتعزيز الابتكار الزراعي، وربط البحوث بالسياسات العامة، بما يمهّد لشراكة متينة في مجالات الأمن الغذائي والتنمية المستدامة.

سادساً: قراءة علمية – تكامل البحث والسياسة

تكشف الزيارة بوضوح أنّ الدبلوماسية الزراعية لم تعد مجرّد إطار للتبادل البروتوكولي، بل تحوّلت إلى أداة استراتيجية للتعامل مع التحديات العابرة للحدود، بما يضع الزراعة في قلب السياسات الوطنية والإقليمية. ويمكن قراءة مخرجات هذه الزيارة على أكثر من مستوى:

• البعد البحثي: جاءت اللقاءات الميدانية لتؤكد أنّ المختبرات الزراعية لم تعد تقتصر على الجانب الأكاديمي، بل تُسهم في صياغة حلول عملية مرتبطة مباشرةً بمتطلبات المزارع والأسواق. فالربط بين نتائج الأبحاث وبرامج تطوير الإنتاج الحيواني والسمكي، أو تحسين الأصناف النباتية، يشكل حجر الأساس لزراعة أكثر إنتاجية واستدامة.

• البعد المناخي: الزراعة المتكيفة مع تغيّر المناخ أصبحت خياراً وجودياً للدول العربية. إذ تبرز تقنيات الري الموفّر للمياه، وبرامج مواجهة ملوحة التربة، وإدارة التنوع الحيوي، كأدوات أساسية لتأمين الغذاء في بيئات هشة مهددة بالجفاف والتصحر.

• البعد الاجتماعي: تعزيز دور التعاونيات وتمكين صغار المزارعين يترجم إلى سياسة عادلة تضمن أن فوائد النمو الزراعي لا تبقى محصورة في الشركات الكبرى، بل تصل إلى القرى والأرياف. وهو ما يعزز الصمود الاجتماعي ويخلق فرص عمل ريفية منتجة.

• البعد الاقتصادي: فتح الأسواق وتطوير معايير الصحة النباتية والحيوانية يرفع القدرة التنافسية للمنتجات الزراعية اللبنانية والمصرية، ما يسهم في تحسين الميزان التجاري ويجعل القطاع الزراعي شريكاً أساسياً في النمو الاقتصادي.

• البعد الرقمي: يشكل التحول الرقمي الزراعي (Agritech & Agri-Registry) ثورة صامتة في إدارة الموارد والسياسات. فاعتماد قواعد بيانات دقيقة حول المزارعين والمحاصيل يفتح الباب أمام حوكمة رشيدة مبنية على البيانات، ما يعزز الشفافية ويتيح صياغة سياسات قائمة على الأدلة.

نحو نموذج عربي متجدد

إنّ زيارة الوزير هاني إلى مصر مثّلت محطة مفصلية أعادت لبنان إلى واجهة الشراكة الزراعية العربية، وأرست أسس تعاون ثنائي يقوم على التكامل البحثي، المناخي، الاقتصادي والرقمي.
وتُبرز هذه التجربة أنّ الزراعة في العالم العربي قادرة على الانتقال من قطاع تقليدي يواجه التحديات إلى محرك استراتيجي للاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
هكذا تتبلور ملامح نموذج عربي متجدد للأمن الغذائي المستدام، يجعل من الزراعة ركناً أساسياً في مسار التنمية المستدامة، ورافعة لمستقبل أكثر صموداً وتكاملاً في المنطقة.

جنوبيات
أخبار مماثلة
"شيرين أبو عاقلة... الشاهدة والشهيدة" كتاب هيثم زعيتر في الذكرى الأولى للاستشهادوظائف شاغرة في شركة NTCCفاسكوomtla salleقريبا "Favorite"