قراءة في تحولات النظام الدولي ومخاض عالم ما بعد الهيمنة ...
لم يعد من الممكن قراءة الحرب في أوكرانيا، والعدوان الإسرائيلي على غزة، والمواجهة العسكرية بين إسرائيل وإيران، والتنافس الأميركي - الصيني، والحروب التجارية والتكنولوجية، بوصفها أزمات منفصلة. إنها حلقات مترابطة في سياق تاريخي واحد، عنوانه: أفول النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية، وتعثر ولادة نظام دولي جديد.
لقد قام النظام الدولي، منذ عام 1945، على منظومة مؤسسات وقواعد قانونية وسياسية كان يفترض أن تحفظ السلم والأمن الدوليين. وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، دخل العالم مرحلة الأحادية القطبية بقيادة الولايات المتحدة، التي امتلكت التفوق العسكري والاقتصادي والتكنولوجي، وأدارت النظام العالمي وفق مصالحها وتحالفاتها.
غير أن العقود الثلاثة الأخيرة كشفت حدود هذه الهيمنة. فالحروب الممتدة، والأزمات المالية، وصعود الصين، وعودة روسيا إلى المسرح الدولي، وبروز قوى إقليمية مؤثرة كالهند وتركيا والسعودية والبرازيل، كلها عوامل أعادت تشكيل موازين القوة، وأضعفت قدرة أي دولة على الانفراد بقيادة العالم.
وجاءت الحرب الروسية - الأوكرانية لتؤكد أن القوة الغربية، رغم ضخامتها، لم تعد قادرة على حسم الصراعات الكبرى. ثم كشفت الحرب على غزة عجز الأمم المتحدة ومجلس الأمن عن وقف حرب مدمرة أو حماية المدنيين أو إنفاذ قواعد القانون الدولي الإنساني، في ظل ازدواجية المعايير واستخدام حق النقض لخدمة المصالح السياسية. أما المواجهة العسكرية بين إسرائيل وإيران، وما رافقها من تدخل أمريكي مباشر، فقد أكدت أن الإقليم بات جزءًا من صراع دولي أوسع، وأن سياسة الردع التقليدية لم تعد حكرًا على طرف واحد.
هذه التطورات لا تعني أن الولايات المتحدة فقدت مكانتها بوصفها القوة الأكبر عالميًا، لكنها تعني أن قدرتها على فرض إرادتها منفردة لم تعد كما كانت. وفي المقابل، فإن القوى الصاعدة، وفي مقدمتها الصين وروسيا، لم تتمكن بعد من بناء نظام دولي بديل يمتلك مؤسسات راسخة وآليات فاعلة لإدارة الأزمات العالمية.
ومن هنا تنشأ المفارقة الكبرى: النظام القديم يفقد فاعليته وشرعيته تدريجيًا، بينما النظام الجديد لم يكتمل بعد. وفي الفراغ بينهما تتزايد الحروب، وتتسع الأزمات، وتتراجع الثقة بالمؤسسات الدولية، ويصبح العالم أكثر اضطرابًا وأقل قدرة على إدارة النزاعات.
وليس من قبيل المصادفة أن تتزامن هذه المرحلة مع سباق عالمي على الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والطاقة، والممرات البحرية، وسلاسل الإمداد، إذ لم يعد الصراع يدور حول الجغرافيا وحدها، بل حول التكنولوجيا، والاقتصاد، والسيطرة على مفاصل القوة في القرن الحادي والعشرين.
وفي هذا المشهد، تبرز مجموعة "بريكس" وغيرها من التكتلات الصاعدة بوصفها تعبيرًا عن رغبة متزايدة في بناء نظام أكثر تعددية. غير أن هذه القوى، رغم اتساع نفوذها الاقتصادي والسياسي، لا تزال تفتقر إلى رؤية موحدة ومؤسسات قادرة على إدارة النظام الدولي أو تقديم بديل متكامل للنظام القائم.
أما القضية الفلسطينية، فقد تحولت إلى أحد أهم اختبارات النظام الدولي. فما يجري في غزة لم يعد مجرد صراع إقليمي، بل أصبح معيارًا يقاس به مدى احترام القانون الدولي، وصدقية المؤسسات الأممية، وقدرة المجتمع الدولي على حماية المبادئ التي قام عليها النظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية. وعندما تعجز تلك المؤسسات عن تنفيذ قراراتها، أو حماية المدنيين، فإن الأزمة لا تكون أزمة فلسطين وحدها، بل أزمة النظام الدولي نفسه.
ومع ذلك، فإن التاريخ يعلمنا أن النظم الدولية لا تسقط فجأة، ولا تولد بدائلها في لحظة واحدة. فالنظام الذي أعقب مؤتمر فيينا، ثم نظام ما بعد الحربين العالميتين، لم يتشكلا إلا بعد سنوات من الصراعات والتحولات الكبرى. وما يشهده العالم اليوم قد يكون مخاضًا تاريخيًا مشابهًا، تتداخل فيه المنافسة الاستراتيجية مع إعادة رسم خرائط النفوذ والتحالفات.
إن العالم يقف اليوم عند مفترق طرق. فإما أن تنجح القوى الكبرى في بناء نظام أكثر توازنًا وعدالة يقوم على احترام القانون الدولي وتعددية الشراكات، وإما أن يطول أمد المرحلة الانتقالية، بما تحمله من حروب وصراعات واستقطابات تهدد الأمن والاستقرار العالميين.
الخلاصة أن العالم لا يعيش أزمة عابرة، بل يعيش نهاية مرحلة تاريخية كاملة. فالنظام الدولي القديم يندحر ويتقهقر، لكنه لم يسقط نهائيًا، والنظام الجديد تتأخر ولادته، لكنه يتشكل ببطء وسط صراع الإرادات وتبدل موازين القوى. وبين أفول القديم ومخاض الجديد، يعيش العالم واحدة من أكثر مراحله اضطرابًا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث لم يعد السؤال: هل سيتغير النظام الدولي؟ بل: من سيصوغ قواعده الجديدة، وعلى أي أسس من القوة والشرعية والعدالة سيقوم؟