د. روجيه الشويري
لم يكن التهديد باستخدام القوة العسكرية ضد إيران سلوكاً عابراً في الخطاب السياسي للرئيس الأميركي دونالد ترامب، بل شكّل أحد أبرز ملامح سياسته تجاه طهران. ففي أكثر من مناسبة، بدا الخطاب الأميركي وكأنه يقترب من إعلان حرب شاملة، قبل أن يتراجع إلى مستوى أقل من التصعيد، أو يتحوّل إلى عمليات عسكرية متكررة لكن محدودة، أو يفتح الباب أمام مبادرات دبلوماسية. وقد دفع هذا النمط المتكرر العديد من الباحثين إلى التساؤل عما إذا كان يعكس تردّداً في اتخاذ القرار، أم أنه يمثل نموذجاً متعمّداً في إدارة الأزمات الدولية.
في أدبيات العلاقات الدولية، يندرج هذا السلوك ضمن مفهوم «الدبلوماسية القسرية» (Coercive Diplomacy)، وهي استراتيجية تقوم على استخدام التهديد بالقوة لإجبار الخصم على تغيير سلوكه، دون الوصول بالضرورة إلى استخدام القوة على نطاق واسع. فالهدف ليس الحرب بحد ذاتها، وإنما توظيف احتمال اندلاعها كأداة ضغط لتحقيق أهداف سياسية أو أمنية.
كما يتقاطع هذا النهج مع ما يُعرف بسياسة «حافة الهاوية» (Brinkmanship)، التي تقوم على دفع الأزمة إلى مستويات عالية من التوتر لإقناع الطرف الآخر بأن كلفة المواجهة ستكون باهظة، بما يدفعه إلى تقديم تنازلات أو إعادة حساباته. ويستند نجاح هذا الأسلوب إلى عنصرين رئيسيين: امتلاك القدرة العسكرية، والمحافظة على مصداقية الاستعداد لاستخدامها إذا اقتضت الضرورة.
غير أن العلاقة بين التهديد والتنفيذ ليست علاقة خطية. فالقيادة السياسية، حتى عندما تعتمد خطاباً تصعيدياً، تبقى مقيّدة بحسابات أكثر تعقيداً من مجرد الرغبة في إظهار القوة. فالحرب مع إيران لا تمثل مواجهة محدودة يمكن التحكّم في مسارها بسهولة، بل تحمل احتمالات التوسّع الإقليمي، وتهديد أمن الممرات البحرية، وتعريض القواعد الأميركية وحلفائها لهجمات انتقامية، فضلاً عن تداعياتها الاقتصادية على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
ومن هذا المنطلق، فإن التراجع عن التصعيد لا يُعدّ بالضرورة مؤشراً على ضعف الإرادة السياسية في الولايات المتحدة، بل قد يعكس انتقال صانع القرار من مرحلة الضغط النفسي والسياسي إلى مرحلة إعادة تقييم الكلفة الاستراتيجية للحرب. ففي النظم الديمقراطية، لا يُتخذ قرار الحرب بمعزل عن تقديرات المؤسسة العسكرية، وأجهزة الاستخبارات، والحسابات الاقتصادية، وردود فعل الحلفاء والرأي العام.
في المقابل، يثير هذا الأسلوب إشكالية تتعلق بمصداقية الردع. فالنظرية الكلاسيكية للردع تفترض أن الخصم يجب أن يقتنع ليس فقط بامتلاك الدولة للقوة، بل أيضاً باستعدادها لاستخدامها عند الضرورة. وإذا تكرر إصدار التهديدات من دون ترجمتها إلى أفعال، فقد يخلص الخصم أي إيران إلى أن سقف المخاطرة الفعلي أقل بكثير من سقف الخطاب السياسي، وهو ما قد يحدّ من فعالية الردع على المدى الطويل.
ومع ذلك، لا يخلو هذا النهج من مزايا تكتيكية. فالحفاظ على درجة من الغموض بشأن نوايا القيادة السياسية الأميركية قد يربك حسابات الخصوم ويمنح صانع القرار مرونة أكبر في الانتقال بين خيارات التصعيد والاحتواء وفق تطورات الميدان. ولهذا، يرى بعض الباحثين أن ما يبدو تراجعاً قد يكون في الواقع جزءاً من عملية تفاوض مستمرة، يكون فيها التهديد وسيلة لتحقيق مكاسب بأقل تكلفة ممكنة.
لكن فعالية هذه المقاربة تظل مرتبطة بقدرتها على تحقيق توازن دقيق بين التصعيد والاحتواء. فالإفراط في استخدام لغة التهديد قد يؤدي إلى تآكل المصداقية، في حين أن التردد في توظيف القوة عندما تصبح ضرورية قد يبعث برسائل خاطئة إلى الخصوم. وفي المقابل، فإن الانزلاق إلى مواجهة واسعة قد يفرض كلفة استراتيجية تتجاوز بكثير أي مكاسب سياسية آنية.
وعليه، فإن نمط التهديد ثم التراجع في سياسة ترامب تجاه إيران يمكن تفسيره بوصفه محاولة لإدارة الصراع عبر مزيج من الردع والإكراه الدبلوماسي، أكثر من كونه تعبيراً عن رغبة ثابتة في الحرب أو عن إحجام مطلق عنها. ويعكس هذا النمط طبيعة السياسة الدولية المعاصرة، حيث لا تُستخدم القوة العسكرية بوصفها غاية في ذاتها، بل كأداة ضمن منظومة أوسع من الضغوط السياسية والاقتصادية والدبلوماسية.
وفي النهاية، يبقى تقييم نجاح هذه الاستراتيجية مرهوناً بالنتائج التي حققتها. فإذا أسهمت في تعديل سلوك الخصم دون الانزلاق إلى حرب شاملة، فقد تُعدّ نموذجاً ناجحاً للدبلوماسية القسرية. أما إذا أفضى تكرار التهديدات غير المنفذة إلى إضعاف مصداقية الردع، فإنها قد تتحوّل من أداة للضغط إلى عامل يقلّص من قدرة أميركا على التأثير في سلوك خصومها مستقبلاً.
حزب الحوار الوطني