ليست العبقرية الموسيقية مجرد قدرة على تأليف لحن جميل، بل هي القدرة على تغيير الطريقة التي يُسمَع بها العالم. وعندما يُذكر هذا النوع النادر من العبقرية في الموسيقى العربية، تقف ثلاثة أسماء في مرتبة استثنائية: سيد درويش، وبليغ حمدي، وزياد الرحباني. ثلاثة ينتمون إلى ثلاثة أزمنة مختلفة، لكنهم يلتقون في جوهر واحد؛ فقد عاش كل واحد منهم سابقًا لعصره، وكتب موسيقى تجاوزت أفق الذائقة السائدة في زمانه، ولم يُدرك كثير من أبعادها إلا بعد سنوات، بل بعد عقود.
ولعل المفارقة الأكثر إثارة أن هؤلاء الثلاثة لم يكونوا شخصيات تقليدية على المستوى الإنساني؛ فقد كانوا قلقين، متمرّدين، شديدي الحساسية، لا يعرفون المساومة في الفن، وكأن العبقرية فرضت عليهم أن يعيشوا خارج القوالب المألوفة. كما أن أعمارهم لم تطُل، قياسًا إلى حجم ما أنجزوه؛ فسيد درويش رحل في الحادية والثلاثين، وبليغ حمدي في الثانية والستين، وزياد الرحباني في السبعين، غير أن الزمن الفني الذي عاشوه يفوق أعمارهم بأجيال.
إن الجامع المشترك الأول بينهم أنهم لم يكتبوا موسيقى تُرضي الذائقة السائدة، بل أسهموا في صياغة ذائقة جديدة.
كان سيد درويش أول من منح الموسيقى العربية روحًا درامية حديثة. فلم يعد اللحن مجرد وعاء للكلمة، بل أصبح شريكًا في السرد والتعبير. ففي أعمال مثل «زوروني كل سنة مرة»، و«أنا هويت»، و«قوم يا مصري»، و«الحلوة دي قامت تعجن»، نجد أن الموسيقى تؤدي دورًا تعبيريًا يتجاوز مرافقة النص؛ فالإيقاع يصنع الحركة، والجملة اللحنية ترسم الشخصية، وتتداخل الأصوات والآلات لخدمة البناء الدرامي. وقد كان من أوائل من ربطوا اللحن بالفعل المسرحي، فمهّد بذلك لمرحلة جديدة في الموسيقى العربية.
ثم جاء بليغ حمدي ليُحدث نقلة نوعية أخرى. فقد امتلك قدرة نادرة على الجمع بين البساطة والابتكار؛ فاللحن عنده يبدو تلقائيًا، لكنه يقوم على بناء موسيقي محكم. وفي «سيرة الحب»، و«أنساك»، و«بودعك»، و«عدوية»، و«على الربابة»، و«زي الهوى»، منح الآلات دورًا أكثر استقلالًا داخل النسيج الموسيقي، وأقام بينها حوارًا متبادلًا، مع توظيف ثري للتوزيع والإيقاع. وقد أسهم في تطوير لغة الأغنية العربية الكبيرة، مع الحفاظ على هويتها الشرقية.
أما زياد الرحباني، فقد فتح أمام الموسيقى العربية آفاقًا جديدة، من خلال مزجٍ عضوي بين المقامات العربية، والجاز، والموسيقى الكلاسيكية الغربية، وأنماط موسيقية معاصرة. ففي أعمال مثل «أنا مش كافر»، و«عودك رنان»، و«بما إنو»، و«ولا كيف»، و«شو هالأيام»، فضلًا عن مؤلفاته المسرحية، تبدو الآلات وكأنها تتحاور في نسيج واحد، من دون أن يفقد العمل وحدته أو هويته. وقد تميزت أعماله أيضًا بجرأة في التوزيع والهارموني، جعلته أحد أكثر المجددين تأثيرًا في الموسيقى العربية الحديثة.
ويكمن أحد أسرار تميز هؤلاء الثلاثة في تعاملهم مع الآلات الموسيقية بوصفها عناصر فاعلة في التعبير، لا مجرد مرافقة للغناء. فالكمان يجيب، والناي يناجي، والعود يعلّق، والتشيلو يعمّق الإحساس، والإيقاع يشارك في بناء المعنى. وقد استفادوا، بدرجات متفاوتة، من تقنيات الحوار بين الخطوط اللحنية، ومن إمكانات الهارموني والتوزيع الأوركسترالي، وصاغوا ذلك كله في لغة عربية أصيلة، لا في محاكاة للمدارس الغربية. ولهذا تبدو مؤلفاتهم، حتى اليوم، محتفظة بقدر كبير من الحيوية والحداثة.
ومما هو مشترك أيضًا أنهم جميعًا كسروا الحدود بين الموسيقى الشعبية والموسيقى الرفيعة. فلم ينظروا إلى الأغنية الشعبية بوصفها فنًا أقل قيمة، بل رأوا فيها خامةً فنيّةً يمكن أن ترتقي إلى عمل خالد إذا صاغتها موهبة استثنائية. ولهذا بقيت ألحانهم حاضرة في وجدان الناس، وفي الوقت نفسه موضوعًا للدراسة والتحليل الموسيقي.
وعندما نقارنهم بكبار المؤلفين في العالم، لا يكون ذلك بدافع المجاملة، بل لأن أعمالهم تتسم بالأصالة، والابتكار، والقدرة على بناء لغة موسيقية مميزة تتجاوز حدود زمنها. وقد امتلك كل واحد منهم بصمة لحنية واضحة، وهي سمة لا تتوافر إلا لقلة من كبار المؤلفين.
لقد سبق سيد درويش عصر النهضة الموسيقية العربية، وسبق بليغ حمدي كثيرًا من التصورات الحديثة في بناء الأغنية العربية، وسبق زياد الرحباني في تقديم نموذج متماسك للمزج بين المقام العربي والجاز والهارموني الغربي. وما بدا جديدًا في زمنهم أصبح اليوم جزءًا من مفردات التأليف الموسيقي العربي.
إن التاريخ لا يقيس الفنان بعدد سنوات حياته، بل بعدد السنوات التي يظل فيها حيًا في ذاكرة الفن. ولهذا فإن سيد درويش، وبليغ حمدي، وزياد الرحباني ليسوا مجرد ثلاثة ملحنين كبار، بل ثلاثة منعطفات كبرى في تاريخ الموسيقى العربية. لقد أثبتوا أن العبقرية لا تعترف بالزمن، وأن الفنان الحقيقي لا يعيش عمره البيولوجي، بل يعيش بقدر ما يبقى أثره حاضرًا في الذاكرة الفنية.
ولعل الأيام ستكشف أكثر فأكثر قيمة هذا الإرث؛ فكلما تقدمت الدراسات الموسيقية المقارنة، ازداد حضور أعمال هؤلاء الثلاثة في البحث والتحليل، بوصفها نماذج رائدة في تطوير الموسيقى العربية. وحينئذٍ لن يكون السؤال: لماذا سبقوا زمنهم؟ بل كيف استطاع زمنهم أن يستوعبهم أصلًا؟!.