23 صفر 1448

الموافق

السبت 08-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة لبنان بين الانقسام الداخلي ووثيقة واشنطن: نحو قرار وطني يحمي السيادة ويعيد الدولة إلى موقعها القانوني
لبنان بين الانقسام الداخلي ووثيقة واشنطن: نحو قرار وطني يحمي السيادة ويعيد الدولة إلى موقعها القانوني
د. حسين محمود رمال
2026-08-08
لبنان بين الانقسام الداخلي ووثيقة واشنطن: نحو قرار وطني يحمي السيادة ويعيد الدولة إلى موقعها القانوني

 

يعيش لبنان مرحلة دقيقة من الانقسام السياسي الداخلي المتداخل مع الانقسام الإقليمي، في ظرف لم يعد يسمح بإدارة الخلاف بمنطق المواقف المتقابلة أو الانتظار حتى تتبدل موازين القوى. وقد جاءت وثيقة واشنطن وما سُمّي «اتفاق الإطار» لتكشف حجم المأزق اللبناني؛ إذ إن الشعارات التي سبقت المفاوضات شيء، وما انتهت إليه الصيغة الإطارية شيء آخر. فالحديث عن استعادة السيادة والانسحاب الكامل يحتاج إلى معيار قانوني واضح، لا إلى عبارات عامة عن إعادة الانتشار التدريجي أو ترتيبات أمنية مرتبطة بشروط متبادلة. فالخطير في المسألة أن النص يجعل مسار إعادة الانتشار الإسرائيلي مرتبطاً بمراحل وشروط أمنية، فيما يفتح البند الثالث عشر باباً واسعاً للتساؤل حول أثر الالتزام بوقف الإجراءات العدائية أو الضارة في المحافل السياسية والقانونية الدولية على حق لبنان في المطالبة بالمساءلة والانتصاف.

أولاً، لا يجوز للبنان أن يتعامل مع هذه اللحظة وكأنها منفصلة عن تاريخه الحديث. فمنذ عام 1948 دفع لبنان، ولا سيما جنوبه، أثماناً متراكمة من الاعتداءات والاحتلال والتهجير وتدمير البنى والممتلكات وانتهاك السيادة. ثم جاءت تجربة اتفاق القاهرة عام 1969 لتكشف خطورة السماح بتحوّل الأراضي اللبنانية إلى مساحة تتداخل فيها الاعتبارات الفلسطينية واللبنانية والإقليمية، قبل أن انفجرت الحرب الأهلية عام 1975 وسقط عشرات الآلاف من اللبنانيين، وكان من نتائجها أن فقدت الدولة قدرتها على حماية مجتمعها وإدارة صراعاته ضمن مؤسساتها.

ولذلك فإن المشكلة اللبنانية الراهنة ليست في وجود قضية فلسطينية عادلة أو في علاقة لبنان بمحيطه العربي، بل في عدم قدرة الدولة على الفصل بين التزامها العربي والإنساني وبين واجبها الأول في حماية إقليمها وشعبها وقرارها السيادي. لقد ارتبط لبنان، في مراحل مختلفة، بالصراع الفلسطيني والسوري والإقليمي، فيما بقي الثمن في النهاية لبنانياً: من أرضه وشعبه واقتصاده ومؤسساته. وهذه الحقيقة التاريخية يجب أن تكون أساساً للوعي السياسي الجديد، لا مادة إضافية للانقسام.

ثانياً، إن أي معالجة جدية تبدأ من الدستور. فالفقرة «ب» من مقدمة الدستور تجعل لبنان ملتزماً مواثيق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتجسّد الدولة هذه المبادئ في جميع الحقول والمجالات دون استثناء. والفقرة «ط» تقرر أن أرض لبنان واحدة لجميع اللبنانيين، وترفض التجزئة والتقسيم والتوطين، فيما تقرر الفقرة «ي» أن لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك. وهذه النصوص ليست عبارات سياسية للاستهلاك، بل جزء من البناء الدستوري الذي يجب أن يحكم القرار الوطني.كتب سياسية

ومن هنا تأتي أهمية المادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تقرر لكل فرد الحق في مغادرة أي بلد، بما فيه بلده، وفي العودة إلى بلده. وإن إدخال هذه القاعدة في النقاش اللبناني ليس ترفاً قانونياً، بل له صلة مباشرة بالموقف اللبناني الرافض للتوطين؛ فلبنان، بالتزامه الدستوري بالإعلان العالمي، يملك أساساً قانونياً وسياسياً ثابتاً لرفض تحويل اللجوء المؤقت إلى واقع توطيني دائم، مع بقاء حق العودة أصلاً قانونياً قائماً.

ثالثاً، لا يمكن معالجة المسألة الاستراتيجية بالسلاح أو بالتفاوض أو بالمواقف المنفردة. المطلوب حوار وطني جدّي ومسؤول، تحت مظلة المؤسسات الدستورية، تشارك فيه الكتل السياسية الرئيسة وجميع القوى التي يتكوّن منها المجتمع اللبناني، وعلى رأسها القوى التي تملك حضوراً فعلياً على الأرض، وفي طليعتها المقاومة. والغاية ليست إلغاء أحد أو فرض استسلام سياسي على أحد، بل الوصول إلى وثيقة وطنية يوقع عليها الجميع، يكون مضمونها أن لبنان وحده يحدد مصالحه وغاياته الاستراتيجية، وأن كل قوة لبنانية تضع ما لديها من قدرات وإمكانات في خدمة قرار وطني تتولاه الدولة ومؤسساتها الدستورية.

وهنا ينبغي أن يكون رئيس الجمهورية في قلب هذه العملية، باعتباره رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن، على أن يمارس دوره ضمن الاختصاصات الدستورية وبالتعاون مع مجلس الوزراء وسائر المؤسسات، لا باعتباره بديلاً عنها. فالمطلوب منه أن يبادر، وأن يجمع، وأن يدفع نحو التوافق، وأن يحوّل التوافق إلى برنامج عمل متكامل، وأن يبقى مسؤولاً سياسياً ودستورياً عن متابعة تنفيذه دون أن يسمح بتحوّله إلى إعلان عابر ينتهي بمجرد توقيعه.

رابعاً، يجب أن يقوم التوافق الوطني على مجموعة مرتكزات لا تحتمل المساومة. أولها تثبيت مفهوم لبنان الدولة وحدوده البرية والبحرية، وتأكيد الحدود الدولية المعترف بها، ولا سيما أن اتفاقية الهدنة اللبنانية - الإسرائيلية الموقّعة في 23 آذار 1949 نصت على أن خط الهدنة يتبع الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين، وأن الاتفاقية كانت ذات طبيعة هدنية لا اتفاق سلام نهائي. ولذلك لا يجوز تحويلها إلى أداة لإسقاط الحقوق اللبنانية أو استبدالها بتفاهمات سياسية ظرفية.

وثانيها تأكيد رفض لبنان لأي شكل من أشكال التوطين، المباشر أو المقنع، وثالثها إعادة تثبيت المرجعية الدولية التي تحمي السيادة اللبنانية، وفي مقدمتها القرار 425 لعام 1978 الذي طالب باحترام سلامة لبنان الإقليمية وسيادته واستقلاله السياسي ضمن حدوده المعترف بها دولياً، ودعا إسرائيل إلى الانسحاب من الأراضي اللبنانية، وربط ذلك بعودة سلطة الحكومة اللبنانية الفعلية إلى الجنوب.

ويضاف إلى ذلك القرار 1701 لعام 2006، الذي استعاد في سياقه قرارات سابقة بشأن لبنان، ومنها القرار 425، وجعل من بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها وتعزيز دور القوات المسلحة اللبنانية وتهيئة الظروف اللازمة لعودة السكان من ركائز المعالجة الدولية للوضع في الجنوب. ومن ثم فإن المطلوب ليس ابتداع إطار قانوني جديد يلغي ما سبق، بل إعادة وضع هذه المرجعيات في صلب الموقف اللبناني.تاريخ

خامساً، إن حماية السيادة لا تتوقف عند الحدود. الدولة التي تريد أن تكون دولة يجب أن تعرف من يقيم على أرضها، ومن يعمل فيها، ومن يدخل إليها، ومن يخرج منها، وما حاجتها الفعلية إلى اليد العاملة. ولذلك يجب وضع  سياسة وطنية صارمة للإقامة والعمل، وتحديد حاجة لبنان إلى العمالة وفق دراسة قانونية واقتصادية دقيقة، وتنظيم وجود الأجانب وفق القانون، وإبعاد كل وجود غير قانوني، أياً كانت جنسيته أو خلفيته السياسية، مع احترام الحقوق التي يقررها القانون. فلبنان دولة ذات سيادة، وليس ساحة سائبة تتعدد فيها المرجعيات والقرارات.

سادساً، بعد الوصول إلى التوافق الداخلي، يجب أن يتحوّل الموقف اللبناني إلى مبادرة دبلوماسية قانونية منظمة. يتولى رئيس الجمهورية، بالتعاون مع الحكومة والمؤسسات المختصة، طلب دعم جامعة الدول العربية والمجموعة العربية في الأمم المتحدة، والتواصل مع الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي وسائر الدول المؤثرة، لطرح رؤية لبنانية متكاملة تستند إلى القانون الدولي والقرارات الدولية النافذة. والمطلوب العمل من أجل قرار دولي واضح يثبت سيادة لبنان وسلامة أراضيه، ويدعم الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، ويمنع تحويل أي ترتيبات انتقالية إلى وضع دائم.

وفي هذا السياق، يجب أن تبقى اتفاقية الهدنة لعام 1949 والقراران 425 و1701 جزءاً من الإطار القانوني الذي يحكم العلاقة بين لبنان وإسرائيل، لا أن تستبدلها تفاهمات سياسية قابلة للتأويل. كما يجب أن تبقى حقوق لبنان في المساءلة والانتصاف وجبر الضرر محفوظة، لأن السلام الذي يقوم على تعطيل الحق في اللجوء إلى الآليات القانونية الدولية لا يحقق استقراراً دائماً، بل يؤجل النزاع ويعيد إنتاجه.

سابعاً، إن التوافق المطلوب لا يعني أن يتنازل فريق عن وجوده أو أن ينتصر فريق على آخر. معناه أن تنتقل القضية من مستوى الانقسام حول من يملك القرار إلى مستوى تحديد كيفية ممارسة القرار باسم الدولة. وهذا هو جوهر الفقرة «ي» من مقدمة الدستور: فالعيش المشترك ليس غطاءً لتعطيل الدولة، ولا مبرراً لإقصاء مكوّن أساسي، بل قاعدة تمنع تحويل السلطة إلى أداة تناقض الصيغة التي قام عليها لبنان.

وعليه كاستنتاج، فإن لبنان أمام خيار لا يحتمل التأجيل: إما أن يبقى ساحة تتنازعها المشاريع الخارجية، فيدفع الجنوب والشعب والدولة ثمن كل مواجهة، وإما أن يعيد بناء قراره على قاعدة دستورية وطنية واحدة. والطريق إلى ذلك ليس شعاراً جديداً ولا تسوية سرية ولا اتفاقاً يوقع ثم يُترك للتأويل، بل توافق لبناني معلن، تتبناه المؤسسات الدستورية، ويضع السيادة والحدود ورفض التوطين وحق العودة والمرجعيات الدولية في صلبه.

وعلى رئيس الجمهورية أن يبادر فوراً إلى جمع القوى السياسية تحت سقف الدولة، وأن يدفع نحو توقيع وثيقة وطنية تحدد ثوابت لبنان الاستراتيجية، ثم يعمل، بالتعاون مع الحكومة ومجلس النواب وسائر المؤسسات، على تحويلها إلى سياسة دولة لا تتغير بتغير الحكومات أو الضغوط الإقليمية. وبعدها يتحرك لبنان إلى الخارج من موقع الدولة صاحبة الحق، لا من موقع الطرف المنقسم الذي يبحث عن حماية لدى الآخرين.

لقد دفع لبنان ما يكفي من الدم والأرض والتهجير والانهيار. ومن غير المقبول قانوناً أو وطنياً أن يبقى التاريخ نفسه يعيد إنتاج نفسه. الجنوب ليس ورقة تفاوض، ولبنان ليس ممراً لمشاريع الآخرين، والسيادة ليست شعاراً يرفع في زمن ويُهمل في زمن آخر. المطلوب قرار لبناني واحد، صادر عن مؤسسات لبنان، يحمي كل لبنان، ويعيد للدولة احتكار القرار الوطني، ويضع علاقاتها الخارجية في إطار القانون الدولي، بحيث يصبح التوافق الداخلي أساساً للتحرك الدولي، ويصبح القانون سنداً للسيادة، وتصبح السيادة أخيراً مسؤولية دولة لا مسؤولية فريق.

 باحث اكاديمي حقوقي في القانون الدولي والدستوري

جريدة اللواء
أخبار مماثلة