تحولت الجلسة العامة لمجلس النواب أمس من جلسة تشريعية عادية، إلى مرآة عاكسة للتوترات السياسية والطائفية التي يعيشها البنان، فبدل أن تبقى النقاشات محصورة في مواد القوانين المطروحة، انفتحت أبواب السجال على مصراعيها، وتداخل السياسي بالطائفي، والدستوري بالشخصي، حتى بدا المجلس في بعض لحظاته وكأنه على حافة انفجار سياسي لا يقل خطورة عن الانفجار الكلامي الذي شهدته القاعة.
كانت الجلسة، بكل المقاييس، جلسة «التشنّج الطائفي» بامتياز، سجالات عنكبوتية تمددت من بند إلى آخر، واشتباكات كلامية بين كتل نيابية، وارتفاع في منسوب الصراخ، إلى جانب اصطفافات لم تكن دائماً مرتبطة بجوهر المواد التشريعية بقدر ارتباطها بالحساسيات السياسية والطائفية المتراكمة.
لكن المحطة الأكثر حساسية كانت تلك التي وقعت بين رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الدفاع ميشال منسى، والتي لم تتوقف تداعياتها عند حدود الخلاف بين رجلين في السلطة التنفيذية، بل كادت تتحول إلى أزمة سياسية داخل الجلسة نفسها.
فقد كان منسى يريد إبداء رأيه أمام المجلس في موضوع يتصل بالعفو العام، انطلاقاً من موقعه وزيراً للدفاع ومسؤوليته عن المؤسسة العسكرية، فيما تمسّك رئيس الحكومة بفكرة أن التعبير عن موقف الحكومة أمام مجلس النواب يعود إلى رئيسها، وأن الحكومة لا يمكن أن تتحول إلى مجموعة أصوات ومواقف منفصلة داخل المجلس. ومن هنا بدأ الخلاف يأخذ منحى أكثر حدة، خصوصاً بعدما بدا أن المسألة تجاوزت حدود تنظيم الكلام داخل الجلسة إلى ما يشبه الاشتباك حول الصلاحيات داخل السلطة التنفيذية.
غير أن اللحظة الأكثر تأثيراً في المشهد جاءت عندما قال له الرئيس سلام على ذمة من روى الواقعة وهو النائب جميل السيد إنه يريد وضع الجيش في مواجهة السنّة، هنا لم يعد الأمر بالنسبة إلى وزير الدفاع مجرد نقاش سياسي أو دستوري، فرد بالقول: «أنا خدمت في الجيش 40 عاماً ولم أعرف يوماً الطائفية، ثم بكى».
وهنا انتقلت القضية من صراع على الصلاحيات إلى صراع على الكرامة السياسية والشخصية، ومن نقاش داخل الحكومة إلى قضية وجد فيها عدد من النواب أنفسهم معنيين بالتدخل.
انقسم المجلس بين من رأى أن رئيس الحكومة يملك حق تنظيم الموقف الحكومي، وأن الحفاظ على وحدة السلطة التنفيذية يقتضي ألا يتحدث كل وزير على حدة باسم الحكومة، وبين من اعتبر أن منع وزير الدفاع من إبداء رأيه، ولا سيما في قضية تتصل مباشرة بالمؤسسة العسكرية، أمر غير مقبول، وأن من حق الوزير أن يشرح موقفه أمام السلطة التشريعية.
وبين الموقفين، ارتفعت حدة التوتر داخل القاعة وخارجها، لأن القضية لم تعد فقط: من يحق له الكلام؟ بل أصبحت: هل يمكن إدارة الخلافات السياسية في لبنان من دون أن تستعيد اللغة السياسية قاموسها الطائفي؟
لقد كشفت جلسة الأمس أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في الخلاف على القوانين، بل في صعوبة إدارة الاختلاف نفسه. فكل خلاف على الصلاحيات يمكن أن يتحول إلى اختبار للتوازنات الطائفية، وكل ملاحظة سياسية يمكن أن تُقرأ باعتبارها استهدافاً لمكوّن، وكل اعتراض على وزير قد يُفسَّر على أنه اعتراض على الطائفة التي يمثلها.
فما جرى أمس يجب ألا يُقرأ باعتباره مجرد «هوشة» نيابية عابرة. إنه إنذار سياسي بأن منسوب الاحتقان مرتفع، وأن أي كلمة غير محسوبة قد تشعل سجالاً أكبر من موضوعها.
جلسة الأمس كانت ساخنة، نعم، لكنها كانت أيضاً كاشفة. كشفت أن لبنان، رغم كل ما قطعه من مسافات في اتجاه الدولة والمؤسسات، لا يزال يحتاج إلى الكثير من الحكمة حتى لا تتحول الخلافات السياسية الطبيعية إلى فتنة سياسية، ولا تتحول الصلاحيات الدستورية إلى خطوط تماس طائفية، وباعتراف غالبية النواب انه لولا حكمة الرئيس نبيه بري لكانت الجلسة طارت قبل ان تبدأ، ولكان السجال التشريعي تحول الى اشتباك طائفي ومذهبي.
لكن ورغم هذه الاجواء «المقيتة» استطاعت الهيئة العامة اقرار القانون الرامي الى الغاء عقوبة الاعدام في لبنان بتسجيل اعتراض نواب «الوفاء للمقاومة» وخروج غالبيتهم من القاعة، وكذلك اقتراح قانون الاعلام، فيما ينتظر ان يستكمل النقاش اليوم حول اقتراح منح عفو عام وتخفيض مدة بعض العقوبات بشكل استثنائي والتصديق عليه وفق ما توقع عدد من النواب بعد التوصل الى صيغة توافقية حوله ليلا.
ماذا في وقائع الجلسة
افتتح رئيس مجلس النواب نبيه بري الجلسة التشريعية في الحادية عشرة قبل الظهر، بحضور رئيس الحكومة نواف سلام والوزراء والنواب وتليت اسماء النواب المتغيبين بعذر، وهم: ميشال معوض، مارك ضو وأحمد الخير.
وبعدها طلب الرئيس بري الوقوف دقيقة صمت عن روح النائب السابق الراحل ميشال معلولي.
ثم أعطي الكلام للنواب في الأوراق الواردة فأثارت النائب بولا يعقوبيان موضوع الامتحانات الخاصة بأصحاب الطلبات الحرة، مطالبة بمعالجة هذا الملف بما يراعي أوضاع الطلاب والظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.
بدوره، تحدث النائب وضاح صادق عن المشاريع الحياتية التي تهم المواطنين، داعيًا إلى إعطاء الأولوية للقضايا التي تمس حياة الناس اليومية.
وطالب النائب جورج عدوان بإجراء انتخابات للمجلس الدستوري، مشددًا على ضرورة استكمال المؤسسات الدستورية لدورها.
أما النائب فراس حمدان، فتناول برنامج «أمان» وإمكان التوقف عن الدفع، مطالبًا بتأمين التمويل اللازم لهذا البرنامج حتى يتمكن من دفع المستحقات للعائلات في الجنوب، ولا سيما الصامدين منهم والنازحين من مناطقهم.
وأثارت النائب نجاة صليبا ملف النفايات، متمنية وضعه على جدول البحث وإيجاد حلول جدية ومستدامة له، في ظل استمرار تفاقم المشكلة وانعكاساتها على البيئة والصحة العامة.
من جهته، سأل رئيس حزب «الكتائب اللبنانية» النائب سامي الجميّل: لماذا يستقيل المجلس من الشأن السيادي ونحن أعلى سلطة في البلد؟، في إشارة إلى التطورات الجارية في الجنوب، وعدم عقد جلسة نيابية مخصصة لمناقشة هذا الموضوع. وتمنى على رئيس مجلس النواب نبيه بري تحديد جلسة لمناقشة الحرب الدائرة في لبنان والتطورات الميدانية والسيادية المتصلة بها.
بدوره، تناول النائب جبران باسيل عددًا من الملفات السياسية والوطنية، ودعا الى عقد جلسة لمسائلة الحكومة.
أما النائب علي حسن خليل، فدعا إلى عدم السكوت عن الخارطة الإسرائيلية التي نُشرت أخيرًا،، محذرًا من خطورة ما تحمله هذه الخارطة من دلالات وتداعيات على السيادة اللبنانية.
ولفت النائب قاسم هاشم إلى أن الجنوب يتعرض، إلى جانب العدوان العسكري، لعدوان آخر يتمثل في تجريف إسرائيل للأحراج والأشجار المثمرة، داعيًا الحكومة إلى التحرك والتصدي لهذه الاعتداءات التي تطاول الأرض والثروة الزراعية والبيئية.
أما النائب جميل السيد، فتحدث عن وجود خلاف في أروقة المجلس بين رئيس الحكومة ووزير الدفاع، متمنيًا عقد جلسة لمساءلة الحكومة ومناقشة الملفات التي تستوجب توضيحًا ومحاسبة.
وتناول النائب الياس جرادي قضية أموال المودعين، كما توقف عند الخارطة التي نُشرت أخيرًا والتي، بحسب ما أشار، لا يظهر فيها لبنان، مشددًا في الوقت نفسه على ضرورة العمل الجدي لإلغاء الطائفية السياسية، باعتبارها مدخلًا أساسيًا لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها.
من جهته، تحدث النائب حسين الحاج حسن عن «اتفاق الإطار»، معتبرًا أنه وُلد ميتًا، وسأل السلطات اللبنانية عن موقفها مما يجري في الجنوب من تجريف وعدوان مستمر. كما انتقد التعيينات التي أجرتها الحكومة، معتبرًا أنها مخالفة للدستور، وسأل: هل هذه هي الاصلاحات.؟
وعلى الأثر، علّق النائب سامي الجميّل على كلام الحاج حسن بالقول: ما زالت الحكومة مش عاجبتكم اطلعوا منا.
فردّ الحاج حسن عليه بالقول: «قاعدين على قلبك».
وبعد الاوراق الواردة بوشر النقاش بجدول الاعمال المتضمن 14بندا وتلي اقتراح القانون الرامي إلى الغاء عقوبة الإعدام في لبنان وبعد مناقشات مستفيضة صدق معدلا، باعتراض نواب «الوفاء للمقاومة»
ثم انتقل النقاش الى اقتراح قانون الاعلام حيث طالب عدد من النواب تأجيله الى الاربعاء ليتسنى لهم الاطلاع على جدول التعديلات الذي وزعه نائب رئيس المجلس على النواب داخل القاعة غير ان الرئيس بري رفع الجلسة الى المساء لتستأنف الجلسة به.
الجلسة المسائية
وتابع المجلس مناقشة قانون الاعلام فتمت المصادقة عليه كما ورد من اللجان النيابية.
ثم شرع المجلس بمناقشة اقتراح قانون يرمي إلى منح عفو عام وخفض مدة بعض العقوبات بشكل استثنائي.
ولم يحضر وزير الدفاع ميشال منسى الجلسة المسائية، بعد عدم التوصل إلى اتفاق بشأن إلقائه كلمة أمام النواب.
وأكدت النائبة بولا يعقوبيان أنه يحق لرئيس الحكومة نواف سلام الطلب من وزير الدفاع عدم الإدلاء بتصريح، استناداً إلى المادة 64 من الدستور ومبدأ التضامن الحكومي، معتبرة أنه لا يمكن للحكومة أن تخرج بموقفين مختلفين.
وقاطعها نائب رئيس مجلس النواب الياس بو صعب قائلاً: «بدنا نقر القانون، ما تضيّعي الموضوع، ويلي عم تقولي مش دقيق».
من جهته، سخر النائب سليم عون من غياب وزير الدفاع، قائلاً: «بدنا نسمع رأي وزير الدفاع، وين وزير الدفاع؟ ورئيس الحكومة يحكي عن نفسه ليش ساكت؟»، مضيفاً في إشارة إلى يعقوبيان: «ويلي السلام على اسمها بدا تحكي عنو.»
وردّت يعقوبيان على عون بالقول: «السلام على يلي خلفتك».
وقال النائب ابراهيم كنعان،: «نعرف حساسية الموضوع بالنسبة للجيش. ولذلك، نطالب بالاستماع الى رأي وزير الدفاع الذي يمثّل قيادة الجيش، ويجب على الحكومة ورئيسها أخذ الأمر في الاعتبار وحل الموضوع بالشكل المطلوب، وأن نستمع لرأي وزير الدفاع بمسألة بهذه الحساسية».
و قال النائب فراس حمدان: «حصراً في هذا الموضوع، يتحدث وزيرا العدل والداخلية بعد التنسيق مع رئيس الحكومة. هناك من لم يستوعب بعد أن الأسد أصبح في موسكو، وأن الشيباني جاء لزيارتك يا دولة الرئيس».
فردّ النائب غسان عطالله قائلاً: «أنت لم تستوعب أنك في مجلس لبناني»، فيما تدخل نائب رئيس مجلس النواب إلياس بو صعب قائلاً: «خليك بلبنان».
وقال النائب شربل مارون مخاطباً حمدان: «يبدو أنك اشتقت إلى عنجر».
وردّ حمدان: «لا أحد أحرص منا على وزير الدفاع، لكن هذه ليست من صلاحياته»، ليتدخل النائب بلال قائلاً: «دعونا نبقى في القانون».
وأضاف حمدان: «لا يحق لأحد أن يحاكم رئيس الحكومة»، فردّ مارون: «ورئيس الحكومة ما في يفتح على حسابه».
بدوره، قال النائب سليم عون: «نريد أن نستمع إلى رأي وزير الدفاع».
بعد ذلك، استُكملت مناقشة قانون العفو العام.
فانسحب نواب من «التيار الوطني الحر» و«حزب الله.»
وقال رئيس مجلس النواب نبيه بري: «أنا مستعد انطر إذا بيجي وزير الدفاع ميشال منسى بحال وافق رئيس الحكومة نواف سلام»، فيما ردّ الرئيس سلام: «نحن ما منتدخل بعمل مجلس النواب، أنا ما بقبل حدا يتدخل بعمل الحكومة».
بدوره، قال نائب رئيس مجلس النواب إلياس بو صعب: عم نحاول نرجّع النواب.
ثم اندلع اشكال بين النائبين نبيل بدر وجورج عدوان، بعدما توجّه عدوان إلى بدر بالقول: “قعود محلك عم نحلها”، أثناء تحدث بدر مع الرئيس بري.
وفيما استمرت المشاورات داخل القاعة لتأمين النصاب، طلب عدد من النواب من بري إبقاء كتلته داخل الجلسة، قائلين إن عددًا قليلًا من النواب يكفي لاستعادته، ليردّ: «كتلتي هون»، فأجابوه: «بس ثلاثة منهم موجودين».
وخلال السجال، صرخ النائب علي حسن خليل: «روقوا، إذا بدكن تمشّوا القانون روقوا»، فيما لا تزال المشاورات مستمرة لمحاولة تأمين النصاب.
ثم رفع رئيس مجلس النواب نبيه بري الجلسة التشريعية إلى الساعة 11 من قبل ظهر يوم غد الأربعاء، بعد فقدان نصاب الجلسة، فيما فتح المجال أمام المشاورات.
سلام: لا أقبل أن يزايد أحد علينا بحرصنا على المؤسسة العسكرية وعلى شهدائها
توضيحا لما حصل بينه وبين وزير الدفاع ميشال منسى في مجلس النواب قال رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام خلال جلسة مجلس النواب المسائية في مداخلة :«بالنسبة لما أدلى به بعض النواب الكرام، ومنعاً للبلبلة التي حاول البعض إثارتها خارج هذه القاعة، ومنعاً لاستمرار البعض ليس في الاصطياد في الماء العكر، بل في تعكير المياه للاصطياد فيها،أود تبيان الحقيقة كاملة أمامكم».
أضاف : فالحقيقة أن معالي وزير الدفاع كان قد أعد كلمة بموضوع قانون العفو، وببساطة أبلغت معاليه أنني سأتكلم باسم الحكومة عند طرح هذا البند، فلا يكون من داعٍ لأي كلام آخر، لا سيما أن دستور البلاد واضح، وهو ينص في مادته 64 على أن «رئيس مجلس الوزراء هو رئيس الحكومة يمثلها ويتكلم باسمها»… فالمعذرة إن كان لا بد من التذكير بالدستور أمامكم.
وطبعاً، هو افتراء باطل الادعاء أنني طلبت من معاليه عدم حضور الجلسة النيابية. فهو صديق عزيز، له مني كل المودة والاحترام، وهو مثلي يعمل بحسب قاعدة التضامن الوزاري، ومثلي حريص على الدستور. نحن مش ٢٤ حكومة، وربما كان هذا جديد عليكم!
أضاف :«دولة الرئيس،أما بالنسبة لرأي قيادة الجيش بموضوع اقتراح قانون العفو، فقد تم التعبير عنه أمام اللجان النيابية عبر معالي وزير الدفاع، لا بل أكثر من ذلك، فقد سلّم مذكرة خطية بهذا الخصوص، وحسب الأصول وطبعاً بموافقتي… والأهم أن ذلك كله حصل قبل إقرار الصيغة النهائية التي بين أيديكم”.
وقال : أما بالنسبة إلى المؤسسة العسكرية، فلا أقبل أن يزايد أحد علينا بحرصنا عليها وعلى شهدائها.
وأنتم خير من يعلم أيضاً كم عملت هذه الحكومة، وعملت أنا شخصياً، إن في زياراتي إلى الخارج أو مع من التقيتهم من وزراء وسفراء ومبعوثين دوليين، على السعي إلى تأمين كل الدعم المطلوب للجيش، وتجهيزه، ورفع رواتب أفراده وضباطه، والحفاظ على معنوياته”.
اضاف :«ومن باب حرصنا على الجيش، كان همّي ولا يزال عدم السماح بأي تفسير أو تأويل قد يوحي أنه فريق، أو السماح بما يمكن أن يضعه، من حيث يدري أو لا يدري المزايدون، في خلاف مع أي طرف لبناني.
وختم بإعادة التأكيد أن موقف الحكومة من اقتراح قانون العفو هو العدالة، فالعدالة، فالعدالة. والكلمة الفصل هي طبعاً لمجلسكم الكريم.»