27 صفر 1448

الموافق

الأربعاء 12-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة نتنياهو يريد إبقاء ملفّ لبنان إلى ما بعد الإنتخابات!
نتنياهو يريد إبقاء ملفّ لبنان إلى ما بعد الإنتخابات!
حسين زلغوط
2026-08-12
نتنياهو يريد إبقاء ملفّ لبنان إلى ما بعد الإنتخابات!

باتت المفاوضات اللبنانية ـــ الإسرائيلية معلّقة على تداخل معقّد بين الحسابات الأمنية والسياسية والعسكرية، وليس فقط حول كيفية تثبيت وقف إطلاق النار أو آلية الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، فيما يدفع الجنوب اللبناني وأهله يومياً ثمن هذه الحرب التي ما تزال مفتوحة من جانب واحد. فبينما يجلس الوفدان اللبناني والإسرائيلي إلى طاولة التفاوض برعاية أميركية، تستمر الضربات الإسرائيلية على عدد من البلدات الجنوبية، في مشهد يطرح سؤالاً بالغ الأهمية: هل تريد إسرائيل فعلاً الوصول إلى تسوية، أم أنها تستخدم التفاوض لإدارة المرحلة ريثما تنضج ظروفها السياسية والأمنية؟

الجولة السابعة من المفاوضات في روما انتهت الاسبوع الفائت من دون اختراق حقيقي، في وقت بقيت فيه الفجوة واسعة بين المطالب اللبنانية وبين الشروط الإسرائيلية. لبنان يريد تثبيت وقف الأعمال العسكرية، توسيع المناطق التي يمكن أن تنسحب منها القوات الإسرائيلية، وفتح الطريق أمام عودة الأهالي وإعادة إعمار القرى المتضررة، فيما تبدو إسرائيل متمسكة بمنطق مختلف يقوم على أولوية التحقق الأمني قبل أي انسحاب إضافي، وقد تزامن ذلك مع استمرار الغارات، الأمر الذي جعل المفاوضات تبدو وكأنها تجري تحت سقف النار لا في ظل هدنة مستقرة.

المشكلة الأساسية أن إسرائيل لا تتعامل مع المطالب اللبنانية باعتبارها مطالب سياسية منفصلة عن هواجسها الأمنية، فهي تريد ضمانات واضحة بشأن الوضع في جنوب لبنان، والتأكد من قدرة الجيش اللبناني على فرض سلطته، ومنع أي عودة لـ«حزب االله» إلى المناطق التي يفترض أن تكون تحت سلطة الدولة. ومن هنا، تحاول تل أبيب تحويل المفاوضات من نقاش حول الانسحاب إلى نقاش أوسع حول مستقبل الاوضاع الأمنية في الجنوب، وهو ما يجعل المهمة اللبنانية أكثر صعوبة وتعقيداً.

لكن خلف هذا التعقيد الأمني تختبئ حسابات سياسية إسرائيلية لا يمكن تجاهلها. فالانتخابات الإسرائيلية المقبلة بدأت تفرض نفسها بصورة متزايدة على طريقة مقاربة الحكومة لأي اتفاق مع لبنان. وفي إسرائيل، لا يستطيع أي رئيس حكومة أن يظهر أمام جمهوره في مرحلة انتخابية وكأنه قدّم تنازلات مجانية على الجبهة الشمالية، ولا سيما إذا كانت هذه التنازلات مرتبطة بانسحاب عسكري يمكن أن يصوَّر داخلياً على أنه تراجع أمام «حزب االله».

ولهذا السبب، قد يكون من مصلحة الحكومة الإسرائيلية إبقاء الملف اللبناني في منطقة رمادية، لا حرب شاملة، ولا تسوية نهائية، ولا انسحاب كامل، وإنما ضغط عسكري متواصل بالتوازي مع التفاوض. فهذه المعادلة تسمح لإسرائيل بأن تقول لجمهورها إنها لا تتنازل عن أمنها، وفي الوقت نفسه تترك باب التسوية مفتوحاً أمام الوساطة الأميركية. وتشير قراءات متداولة إلى أن الانتخابات باتت عاملاً مؤثراً في توقيت أي خطوة إسرائيلية كبيرة، بما في ذلك الانسحاب، الأمر الذي يجعل هامش الحركة أمام المفاوضين اللبنانيين أكثر ضيقاً.

أما الدور الأميركي، فيبقى العنصر الأكثر حساسية في هذه المعادلة، فالولايات المتحدة ليست مجرد وسيط بين الطرفين، بل هي الطرف الوحيد القادر نظرياً على ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل، وفي الوقت نفسه تقديم ضمانات للبنان. وقد شكلت واشنطن منذ بداية المسار الإطار الذي سمح بإطلاق المفاوضات وتحويلها من اتصالات غير مباشرة إلى مسار أكثر انتظاماً، كما رعت ترتيبات وقف إطلاق النار وآليات التنسيق بين الأطراف.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: إلى أي حدٍّ تريد واشنطن استخدام نفوذها على إسرائيل؟ وهل تمارس ضغطاً حقيقياً من أجل تسريع الانسحاب، أم أنها تركز قبل كل شيء على ضمان تنفيذ الشق الأمني الذي تطالب به تل أبيب؟

حتى الآن، يبدو أن الدور الأميركي يتحرك بين هذين الحدّين. واشنطن تريد منع انهيار المفاوضات، لكنها في الوقت نفسه لا تريد فرض تسوية بالقوة على إسرائيل. وهي تدرك أن انهيار المسار التفاوضي قد يعيد المنطقة إلى التصعيد، في حين أن الضغط المفرط على تل أبيب قد يؤدي إلى أزمة سياسية داخلية إسرائيلية لا ترغب الإدارة الأميركية في تحمُّل تبعاتها.

من هنا يمكن فهم استمرار الاتصالات الأميركية، ومحاولة إبقاء طاولة روما مفتوحة أمام جولة جديدة. فالولايات المتحدة لا تبدو مستعدة للتخلي عن المسار، لكنها أيضاً لم تصل بعد إلى مرحلة فرض حل نهائي على الطرفين. وهذا يعني أن المفاوضات قد تستمر في صيغة «خطوة مقابل خطوة»: إسرائيل تخفف وجودها العسكري في منطقة محددة، ولبنان يثبت إجراءات أمنية وميدانية، ثم ينتقل الطرفان إلى المرحلة التالية.

اما بالنسبة إلى لبنان، التحدي لا يقتصر على انتزاع انسحاب إسرائيلي إضافي، بل يتمثل في منع تحويل المفاوضات إلى مسار طويل بلا سقف زمني، فيما يستمر الجنوب تحت النار. فكل يوم إضافي من الانتظار يعني مزيداً من الضغط على الأهالي، ومزيداً من الأضرار الاقتصادية والاجتماعية، ومزيداً من القلق بشأن قدرة الدولة على استعادة الحياة الطبيعية في المناطق الحدودية.

اللواء
أخبار مماثلة