صعّدت القوّات الإسرائيليّة اعتداءاتها على جنوب لبنان، مساء اليوم الأربعاء، إذ نفّذت تفجيرات متتالية وضخمة في بلدتي بني حيّان وحداثا، بالتزامن مع قصف مدفعيّ استهدف مرتفعات علي الطاهر، وتمشيط بالأسلحة الرشّاشة في اتّجاه بيت ياحون. وجاء هذا التصعيد بعد غارات استهدفت بلدة المنصوري، وعمليات تفجير وهدم في زوطر الشرقيّة وبني حيّان، وسط اتّساع رقعة الاعتداءات الإسرائيليّة واستمرار فرض الوقائع الميدانيّة في القرى الحدوديّة.
وفيما لم يُحدَّد بعد موعد رسميّ للجلسة الثامنة من المفاوضات اللبنانيّة - الإسرائيليّة، بقي مستقبل المسار التفاوضيّ موضع ترقّب، في ظلّ فجوة تتّسع بين التفاؤل السياسيّ الذي تبديه بيروت وواشنطن، وما تفرضه إسرائيل ميدانيًّا من قصف وتفجير وتجريف ومحاولات تقدّم. وعلى وقع هذا التناقض، وصل رئيس مجموعة التنسيق العسكريّة الثلاثيّة للبنان "MCG4L"، الجنرال الأميركيّ جوزف كليرفيلد، إلى بيروت آتيًا من تل أبيب، حاملًا حصيلة محادثاته الإسرائيليّة والملفّات العالقة بين الطرفين.
كليرفيلد في بيروت والجواب الإسرائيليّ معلّق
استقبل رئيس الجمهوريّة جوزاف عون الجنرال كليرفيلد، في حضور السفير الأميركيّ في بيروت ميشال عيسى. وأعلنت رئاسة الجمهوريّة أنّ اللقاء تناول الإجراءات الآيلة إلى تطبيق اتفاق الإطار، الذي جرى التوصّل إليه في حصيلة المفاوضات اللبنانيّة، الأميركيّة، الإسرائيليّة في واشنطن، وذلك في ضوء المحادثات التي أجراها كليرفيلد في إسرائيل الأسبوع الماضي.
وتكتسب زيارة المسؤول العسكريّ الأميركيّ أهميّةً خاصّةً، لكونها تأتي في مرحلة يُفترض أن تشهد بلورة الجواب الإسرائيليّ بشأن الانتقال إلى منطقة تجريبيّة ثانية، بعدما دخلت المناطق الأولى حيّز التنفيذ. كما يُنتظر منه العمل على تأمين أرضيّة سياسيّة وعسكريّة تسمح بمعاودة المفاوضات المباشرة، في وقت لا تزال فيه إسرائيل تربط أيّ انسحاب إضافيّ باستكمال إجراءات التحقّق من نزع سلاح حزب الله.
غير أنّ الزيارة لم تقترن، حتّى الآن، بإعلان أيّ اختراق يتعلّق بالمنطقة الثانية التي يطالب بها لبنان، سواء في الخيام أو بنت جبيل. ويُظهر ذلك أنّ المفاوضات لا تزال تدور داخل الحلقة نفسها، إذ يطلب لبنان انسحابات إسرائيليّة وإجراءات ملموسة تثبت جدوى المسار، فيما تستخدم إسرائيل بقاءها العسكريّ وعملياتها الميدانيّة للضغط من أجل انتزاع تنازلات أمنيّة أوسع.
عون يراهن على التفاوض
في مقابل التصعيد الميدانيّ، يحرص الرئيس عون على تكرار الحديث عن إيجابيّات المفاوضات وما تحقّق خلالها، انطلاقًا من قناعته بأنّ استمرار المسار السياسيّ يبقى أقلّ كلفةً من العودة إلى الحرب. وذهب عون إلى مخالفة المقولة الشهيرة للرئيس المصريّ جمال عبد الناصر، "إنّ ما أُخذ بالقوّة لا يُستردّ إلّا بالقوّة"، معتبرًا أنّ "الحقائق على الأرض أثبتت بطلان هذه المقولة".
ويحمل موقف عون رسالة واضحة إلى حزب الله، مفادها أنّ الدولة تراهن على المسار الدبلوماسيّ لاستعادة الأرض وترتيب الوضع الأمنيّ في الجنوب، وأنّ تجربة الحرب لم تؤدِّ إلى استعادة السيادة أو ردع إسرائيل. لكنّ هذا الرهان يواجه امتحانًا صعبًا، لأنّ تل أبيب تواصل توسيع عملياتها، وتتصرف كأنّ التفاوض لا يقيّد حركتها العسكريّة، بل يمنحها وقتًا إضافيًّا لتثبيت وقائع جديدة على الأرض.
ومن هنا، لا تكمن المشكلة في مبدأ التفاوض، بل في غياب التلازم بين تقدّمه ووقف الاعتداءات. فكلّ جولة لا تفضي إلى انسحاب أو خفض للتصعيد تمنح إسرائيل قدرةً أكبر على رفع شروطها، وتُضعف قدرة الدولة اللبنانيّة على تقديم المفاوضات للرأي العام بوصفها مسارًا منتجًا.
واشنطن ترسم خريطة طريق لجولة أيلول
تقاطع تفاؤل عون مع ما نقلته وسائل إعلام عن مسؤول في وزارة الخارجيّة الأميركيّة، لخّص نتائج المفاوضات من وجهة نظر واشنطن، ووضع خريطة طريق للمسار الذي يُفترض أن يُستأنف في العاصمة الإيطاليّة روما مطلع أيلول المقبل.
وعبّر المسؤول عن شعور بلاده "بالارتياح إزاء المسار الذي تسير فيه الأمور، إذ يجري تنفيذ الإطار، وقد دخلت المناطق الأولى حيّز التنفيذ، ونجحت فرق العمل في توحيد صياغاتها وخرائطها وإجراءاتها".
وبشأن العقبات الراهنة، في أعقاب تجدّد التصعيد في جنوب لبنان، أضاف: "لسنا ساذجين بشأن الصعوبات القائمة، إذ يحاول حزب الله تخريب العمليّة، كما تواجه كلّ من إسرائيل ولبنان ضغوطًا سياسيّة داخليّة، لكنّ مجرّد جلوس الفرق معًا، وتواصلها بصورة مباشرة، وطرحها خيارات مختلفة، يمثّل في حدّ ذاته تغييرًا هيكليًّا".
وتكشف هذه المقاربة أنّ واشنطن تقيس نجاح المفاوضات باستمرار التواصل المباشر وبناء الآليّات المشتركة، لا بحجم الانسحابات الإسرائيليّة أو وقف الاعتداءات. لكنّ هذا المعيار لا يلبّي وحده الحاجة اللبنانيّة الملحّة إلى نتائج ميدانيّة، خصوصًا أنّ استدامة التفاوض تتطلّب إقناع بيروت بأنّ الانخراط فيه سيؤدّي إلى تقليص الاحتلال، لا إلى إدارته ضمن ترتيبات أمنيّة مفتوحة.
تعريفات مشتركة وآليّات للتحقّق
ووفق المسؤول الأميركيّ، اختُتمت المحادثات الفنيّة في روما بعد ثلاثة أيّام من "المناقشات البنّاءة والمفصّلة"، وأنهى الجانبان التفاصيل اللازمة لتنفيذ المناطق التجريبيّة، إلى جانب جوانب أخرى من الإطار الثلاثيّ، بما في ذلك وضع تعريفات مشتركة لعمليات التحقّق وإزالة الألغام.
وأوضح أنّ الجولة السابعة ناقشت أيضًا "الانخراط الدبلوماسيّ الذي تقوده الولايات المتحدة، بما يتكامل مع الإطار الثلاثيّ، بما في ذلك التحقّق من طرف ثالث من عمليات إزالة الألغام التي ينفّذها الجيش اللبنانيّ". وأضاف: "أجرينا، بصورة منفصلة، مباحثات ثنائيّة مع الوفد اللبنانيّ بشأن تقديم الدعم في الوقت المناسب لجهود إعادة الإعمار".
وأكد المسؤول أنّ "المسار السياسيّ سيُستأنف في روما مطلع أيلول، فيما ستتواصل المحادثات في بيروت والقدس وواشنطن خلال الفترة الفاصلة"، لافتًا إلى أنّ مجموعة التنسيق العسكريّة الثلاثيّة للبنان ستواصل العمل خلال الأسابيع المقبلة على ضمان التنفيذ الناجح للمناطق التجريبيّة الأولى.
ويُفهم من ذلك أنّ العمل التقنيّ يتقدّم على المستوى الإجرائيّ، لكنّه لم يتحوّل بعد إلى تفاهم سياسيّ على جوهر النزاع. فالاتفاق على الخرائط والتعريفات وآليّات إزالة الألغام لا يحسم الخلاف بشأن ترتيب الخطوات، إذ يطالب لبنان بانسحاب إسرائيليّ يواكب إجراءات الجيش، بينما تصرّ إسرائيل على إنجاز التحقّق من نزع سلاح حزب الله قبل اتخاذ أيّ خطوة جديدة.
إسرائيل تتمسّك بشروطها
في السياق نفسه، كشف مسؤول إسرائيليّ لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل" أنّ الجولة المقبلة من المحادثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، بوساطة أميركيّة، ستنطلق مطلع أيلول المقبل.
وأقرّ المسؤول بأنّ الجولة الأخيرة، التي استضافتها روما الأسبوع الماضي، لم تسر بسلاسة، بسبب تباين المواقف بين الجانبين. فلبنان يصرّ على انسحابات إسرائيليّة إضافيّة من الجنوب، في حين تشترط إسرائيل استكمال التحقّق من نزع سلاح حزب الله قبل تنفيذ أيّ خطوة جديدة.
وبذلك، يتحوّل الخلاف من نزاع على تفاصيل تقنيّة إلى صراع على ترتيب الالتزامات. فبيروت ترفض تقديم إجراءات أمنيّة واسعة من دون ضمانات مقابلة، فيما تريد تل أبيب الاحتفاظ بالأرض والضغط العسكريّ إلى حين تنفيذ شروطها. ويجعل هذا التناقض المنطقة التجريبيّة الثانية اختبارًا حقيقيًّا لقدرة الوساطة الأميركيّة على تحقيق التزامن بين الخطوات، بدل إبقاء الطرف اللبنانيّ تحت ضغط التنفيذ الأحاديّ.
مسار إنسانيّ موازٍ
إلى جانب الملفات السياسيّة والأمنيّة، يجري الطرفان مفاوضات جانبيّة تتعلّق بملفّ إنسانيّ حسّاس، يشمل تحديد رفات لبنانيّين ويهود إسرائيليّين وإعادتها، في مقابل الإفراج عن معتقلين لبنانيّين.
ويبدو أنّ العمل على هذا الملفّ يهدف إلى تحقيق تقدّم جزئيّ يمكن البناء عليه، في ظلّ تعثّر القضايا الأكثر تعقيدًا. لكنّ فصل المسار الإنسانيّ عن الحسابات السياسيّة يبقى تحدّيًا، خصوصًا إذا تحوّل ملفّ الرفات والمعتقلين إلى ورقة تفاوضيّة تُربط بالانسحابات أو الإجراءات الأمنيّة.
الجنوب يناقض تفاؤل المفاوضات
ميدانيًّا، لم يجد التفاؤل اللبنانيّ والأميركيّ انعكاسًا له في الجنوب. فقد شهدت المنطقة سلسلة غارات وعمليات قصف مدفعيّ إسرائيليّ، تركزت في محيط النبطية ووادي الحجير، وسط تقارير عن تضرّر سيارات إسعاف خلال توجّهها إلى موقع غارة استهدفت سيارة.
واستُشهد شاب متأثّرًا بجراحه جرّاء قصف إسرائيليّ استهدف سيارته بمسيّرة على طريق دوحة كفررمان، فيما تعرّضت المنطقة لقصف مدفعيّ متقطّع. كذلك، أضرم الجيش الإسرائيليّ النيران في عدد من الحقول والبساتين في منطقتَي سردة والوزاني، قبل أن تمتدّ النيران إلى منطقة وطى الخيام.
ونفّذت القوّات الإسرائيليّة تفجيرًا على دفعتين في أطراف بلدة المنصوري، في حين تعرّض مرتفع علي الطاهر، عند أطراف النبطية الفوقا، لقصف مدفعيّ متقطّع، بعد اشتباكات ومحاولات تقدّم إسرائيليّة بالنار.
وتُركّز إسرائيل عملياتها على مرتفعات علي الطاهر تمهيدًا لما يبدو أنّه معركة حسم، بعد فشل المقترح الأميركيّ القاضي بتسليم المنطقة إلى الجيش اللبنانيّ. وتنبع خطورة التصعيد من محاولة تل أبيب حسم وضع نقطة جغرافيّة حاكمة قبل استئناف المفاوضات، بما يسمح لها بالدخول إلى جولة أيلول وهي تمتلك ورقة ميدانيّة إضافيّة.
أهالي زوطر الشرقيّة يناشدون الدولة
في موازاة التصعيد، وجّهت بلديّة زوطر الشرقيّة، باسم المجلسين البلديّ والاختياريّ والأهالي، نداءً عاجلًا إلى رئيس الجمهوريّة ورئيس مجلس الوزراء، طالبت فيه بـ"التدخّل الفوريّ لوقف أعمال التجريف وتفجير المنازل والممتلكات والبنى التحتيّة في البلدة".
وأكدت البلديّة أنّ "جميع المنشآت والمنازل المستهدفة هي أعيان مدنيّة وأملاك خاصّة تعود إلى المواطنين، وخالية من أيّ استخدام أو تجهيزات غير مدنيّة"، داعيةً الدولة اللبنانيّة إلى التحرّك الدبلوماسيّ والسياسيّ العاجل، وممارسة الضغوط اللازمة لوقف عمليات الهدم والتجريف والتفجير.
وبينما تنتظر بيروت من كليرفيلد جوابًا إسرائيليًّا بشأن المنطقة التجريبيّة الثانية، ترسل تل أبيب جوابها اليوميّ بالنار. ولذلك، تدخل المفاوضات مرحلةً أكثر تعقيدًا، إذ لم يعد نجاحها مرتبطًا باستمرار الجلسات فحسب، بل بقدرتها على وقف تغيير معالم الجنوب ومنع إسرائيل من تحويل التقدّم الميدانيّ إلى شروط سياسيّة جاهزة لجولة أيلول.