في لبنان، لم يعد التصفيق مجرد تصفيق. حين يظهر رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع في المهرجانات، متفاعلاً مع الموسيقى والجمهور، تتحول هذه المشاهد إلى صور سياسية تقرأها كل جهة وفق لبنان الذي تريده. فبالنسبة إلى مناصري القوات اللبنانية والقوى التي ارتبطت تاريخياً بـ14 آذار، يمكن أن تُفهم هذه المشاهد باعتبارها ترجمة بصرية لشعار «ثقافة الحياة»: سياسي يشارك في الفرح، ويتفاعل مع الموسيقى والفن، ويقدم صورة لبنان المدني المنفتح الذي يريد الاستقرار والازدهار والسياحة، في مقابل صورة الحرب والسلاح والجهوزية الدائمة.
أما خصومه السياسيون، فيقرأون المشهد بصورة مختلفة. فبعضهم يراه محاولة لتسويق صورة مدنية وسياحية تتجاهل التحديات الأمنية التي تحيط بلبنان، فيما يستحضر آخرون التاريخ العسكري للقوات اللبنانية خلال الحرب الأهلية للمقارنة بين الصورة الحالية والماضي. وهكذا لا تعود الصورة مجرد لقطة من مهرجان، بل تصبح جزءاً من صناعة السياسة نفسها؛ فالمهرجان والأغنية والتصفيق والرقص، كما السلاح والزي العسكري والشهادة، تتحول إلى رموز تتنافس من خلالها القوى السياسية على تعريف لبنان الذي تريد أن يراه اللبناني.
لكن خلف هذه الصور السياسية كلها، يقف مواطن لبناني لا يعيش بالضرورة داخل هذه الثنائية. ففي بلد أنهكته الأزمة الاقتصادية، وارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، والهجرة، وانهيار الخدمات، قد تبدو معركة «ثقافة الحياة» و«ثقافة الموت» بعيدة عن همومه اليومية. بالنسبة إلى هذا المواطن، قد تختصر الحياة في تأمين راتب، ودفع فاتورة الكهرباء، وتأمين الدواء، وإرسال أولاده إلى المدرسة، والحفاظ على منزل أو وظيفة. هنا تصبح «الحياة» أقل تجريداً وأكثر بساطة: أن يستطيع الإنسان أن يعيش بكرامة وأمان، بعيداً عن الانهيار والحرب معاً. وربما هنا تحديداً يختلف معنى الحياة السياسية عن معنى الحياة اليومية: ما يبدو في الخطاب صراعاً بين مهرجان وجبهة، قد يبدو للمواطن العادي صراعاً آخر، عنوانه كيف يبقى واقفاً على قدميه.
لكن قصة «ثقافة الحياة» و«ثقافة الموت» أقدم من هذا السجال اللبناني. فقد ارتبط المفهومان في صيغتهما الحديثة بصورة خاصة بالبابا يوحنا بولس الثاني، الذي جعلهما جزءاً من خطابه حول قدسية الحياة البشرية. وبلغ المفهوم صيغته الأشهر في رسالته البابوية «إنجيل الحياة» (Evangelium Vitae) عام 1995، في سياق رفض الإجهاض والقتل الرحيم وبعض الممارسات التي اعتبرها انتقاصاً من قيمة الحياة الإنسانية.
كان المفهوم معروفاً في الأوساط الكنسية واللاهوتية اللبنانية قبل أن يدخل بقوة إلى السجال السياسي. لكن منذ عام 2005، برزت ثنائية «ثقافة الحياة» و«ثقافة الموت» بصورة متزايدة في الخطاب السياسي اللبناني، ثم اكتسبت حضوراً أوسع بعد حرب تموز 2006، لتصبح جزءاً من اللغة التي عبّرت بها قوى سياسية عن رؤيتها للبنان وخلافها مع خصومها.
وفي هذا الاستخدام السياسي، بدأت «ثقافة الحياة» تُقدَّم بوصفها صورة للبنان الذي يريد أن يعيش بعيداً عن الحرب: لبنان الإعمار والسياحة والفن والاقتصاد والانفتاح. وفي هذه الصورة، يصبح لبنان فضاءً للبناء والعيش والفرح: مهرجانات ومطاعم وجامعات ومشاريع، لا ساحات قتال.
لكن الشعار اكتسب، في ذلك الظرف السياسي المشحون، دلالة تتجاوز معناه المباشر. فعندما تقول جهة سياسية «نحن نحب الحياة»، يصبح من السهل أن يفهم خصمها الرسالة باعتبارها اتهاماً له بأنه يمثل «ثقافة الموت».
وهنا انتقلت المعركة من الاختلاف حول الخيارات السياسية إلى الاختلاف حول معنى الحياة نفسها.
رفض حزب الله وحلفاؤه هذه الثنائية، لأن المقاومة، في منطق أصحابها، لا ترى في الشهادة حباً بالموت، ولا تجعل الحرب غاية بحد ذاتها، بل تعتبر التضحية وسيلة للدفاع عن الأرض والإنسان والسيادة. ومن هذا المنظور، لا تقف المقاومة بالضرورة في الجهة المقابلة لـ«ثقافة الحياة»؛ فقد يكون الدفاع عن الحياة، في ظروف معينة، سبباً لحمل السلاح، كما قد يكون رفض الحرب وسيلة لحمايتها. ولذلك فإن وضع «ثقافة الحياة» في مواجهة «ثقافة المقاومة» يختزل خلافاً أكثر تعقيداً: الخلاف ليس حول قيمة الحياة، بل حول ما الذي يهددها، وما الذي يحميها، وما الثمن المقبول للدفاع عنها.
وفي هذا السياق، كان السيد حسن نصر الله قد عبّر في خطاب له في 25 نيسان/أبريل 1994 عن تصوره للموت والحياة قائلاً: «الموت وما الموت؟ الموت بالنسبة إلينا طريق حياة، الموت بالنسبة إلينا صنع حياة للأمة، الموت بالنسبة إلينا سلاح لا نطلقه في الهواء، إنما نطلقه في صدر العدو».
وهكذا نشأت المفارقة اللبنانية: فريق يقول إنه يختار الحياة لأنه يرفض الحرب، وفريق يقول إنه يقاوم لأنه يريد الحياة.
وتأخذ هذه الفكرة بعداً آخر إذا استُحضرت الذاكرة السياسية للقوات اللبنانية. فخلال مرحلة الوجود السوري، قدّمت القوات نفسها في موقع المواجهة والمقاومة لهذا الوجود، وكانت صورة سمير جعجع مرتبطة يومها باللباس العسكري وخطاب المواجهة. أما اليوم، فتظهر صورته في المهرجانات والمناسبات الفنية بوصفه سياسياً يحتفي بـ«ثقافة الحياة».
المفارقة ليست في تغيّر الصورة، فالسياسة تتغير بتغيّر الظروف، بل في أن مفهومي «المقاومة» و«الحياة» نفسيهما تبدلت دلالاتهما: ما كان يُقدَّم بالأمس في خطاب القوات اللبنانية بوصفه مقاومة، أصبح اليوم يُنظر إليه من موقع سياسي مختلف، في مواجهة المقاومة التي يتبناها حزب الله. وهنا يتضح أن الصراع اللبناني ليس فقط على الوسائل، بل على من يملك حق تعريف معنى الحياة وحمايتها.
فقد تكون «ثقافة الحياة» هي رفض الحرب عندما تكون الحرب عبثية، وقد تكون المقاومة جزءاً منها عندما تُفهم بوصفها دفاعاً عن الأرض والوجود. وبالنسبة إلى فريق، تبدأ الحياة بالأمن والاستقرار والاقتصاد والانفتاح، بينما لا تكتمل بالنسبة إلى فريق آخر من دون السيادة والكرامة والقدرة على مواجهة الاحتلال والتهديد. وقد يختلف الطرفان في الوسائل وكلفتها، لكن ذلك لا يعني بالضرورة اختلافهما حول قيمة الحياة نفسها.
كما أن هذه الصور لا تُنتج دائماً بصورة عفوية. ففي السياسة اللبنانية، تتحول الرموز إلى أدوات للتعبئة وشد العصب وإعادة إنتاج الهوية، ولا سيما في المواسم الانتخابية والاستحقاقات الكبرى. فالمهرجان ليس مجرد احتفال، كما أن مشهد السلاح ليس مجرد تعبير عن الجهوزية؛ كلاهما قابل للتوظيف السياسي وإعادة تقديمه للجمهور بوصفه صورة عن «لبنان الذي نريده». وحين تدخل هذه الصور في الحملات والخطابات والمناسبات، تتحول «الحياة» و«المقاومة» من مفاهيم سياسية إلى منتجات رمزية تُسوَّق للجمهور وتُستخدم لتثبيت الانتماء واستقطاب المؤيدين.
ولهذا أصبح المهرجان والجبهة معاً جزءاً من هذه المعركة الرمزية. السياسي الذي يصفق في مهرجان يمكن أن يتحول إلى صورة لـ«لبنان الذي يحب الحياة»، فيما يتحول المقاوم والسلاح إلى صورة للبنان الذي يستعد للمواجهة. غير أن اختزال لبنان في أي من الصورتين يبقى تبسيطاً؛ فاللبناني الذي يريد الفرح ليس بالضرورة رافضاً للمقاومة، كما أن المؤيد للمقاومة ليس بالضرورة عاشقاً للحرب. أحدهما قد يبحث عن الأمان من خلال الاستقرار، والآخر قد يراه من خلال امتلاك القدرة على الردع. فالفرح لا يعني بالضرورة الاستسلام، كما أن المقاومة لا تعني بالضرورة حب الموت.
وهنا تكمن المفارقة اللبنانية: الجميع يتحدث عن الحياة، لكن الخلاف يدور حول معناها، والطريق إليها، والثمن الذي يمكن دفعه من أجل حمايتها.