4 ربيع الأول 1448

الموافق

الثلاثاء 18-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم «لاقيني ولا تطعميني»...
«لاقيني ولا تطعميني»...
القاضي م جمال الحلو
2026-08-18
«لاقيني ولا تطعميني»...

(قيمة الحضور قبل كل شيء)!

في الحياة أشخاص يمنحوننا الكثير من الأشياء، لكنهم يبخلون علينا بوقتهم، وفي المقابل هناك من لا يقدمون لنا شيئًا ماديًا، لكن حضورهم وحده يكفي لتغيير يوم كامل وبث الطمأنينة في قلوبنا. ومن هنا جاءت العبارة الشعبية اللبنانية: «لاقيني ولا تطعميني»، التي تختصر معنى عميقًا يعكس أهمية اللقاء الإنساني وقيمة القرب بين الناس.

هذه العبارة البسيطة تحمل في طياتها رسالة واضحة، مفادها أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى الولائم أو المظاهر أو المجاملات الاجتماعية، بقدر حاجته إلى من يصغي إليه ويشاركه لحظاته ويمنحه شعورًا بأنه ليس وحيدًا. فالقيمة الحقيقية للعلاقات لا تُقاس بحجم ما يُقدَّم فيها من هدايا أو موائد، بل بما تحتويه من محبة واهتمام وصدق.

وفي المجتمع اللبناني، كان للقاءات دائمًا نكهة خاصة، إذ إن فنجان قهوة عابرًا، أو جلسة قصيرة على الرصيف، أو زيارة بسيطة من دون مناسبة، قد تترك أثرًا يفوق أثر أرقى الولائم وأكثرها كلفة. فالإنسان بطبيعته يحن إلى الكلمة الطيبة والابتسامة الصادقة والوجه المألوف أكثر مما ينجذب إلى المظاهر والشكليات.

ومع تسارع وتيرة الحياة وتزايد الضغوط اليومية، أصبحت اللقاءات أقل حضورًا في حياة كثيرين، واستُبدلت برسائل إلكترونية سريعة أو اتصالات مقتضبة. غير أن التكنولوجيا، على الرغم من أهميتها، لا تستطيع أن تعوّض دفء اللقاء الحقيقي ولا أن تنقل المشاعر الإنسانية كما يفعل الحضور المباشر.

إن عبارة «لاقيني ولا تطعميني» ليست مجرد مثل شعبي متداول، بل هي فلسفة اجتماعية وإنسانية تذكّرنا بأن العلاقات تُبنى على القرب والمشاركة والاهتمام، لا على التكاليف والمظاهر. فالحضور الصادق هو أثمن هدية يمكن أن يقدمها الإنسان لمن يحب، لأن الوجود إلى جانب الآخرين في أوقات الفرح والحزن، وفي لحظات القوة والضعف، هو التعبير الأصدق عن المحبة.

ولعلنا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى إعادة الاعتبار للقاءات الإنسانية، وإلى تخصيص وقت حقيقي لمن نحب، لأن العمر يمضي، وتبقى الذكريات الجميلة المرتبطة بالأشخاص الذين حضروا في حياتنا بصدق ووفاء.

جنوبيات
أخبار مماثلة