تُمثّل تلة «علي الطاهر» قمة النزاع الميداني، الاستخباري، والدبلوماسي المعقد في جنوب لبنان. وتحولت من مجرد مرتفع جغرافي حاكم إلى عقدة جيواستراتيجية محورية؛ إذ ينظر إليها الجيش الإسرائيلي بوصفها مفتاح السيطرة النارية على قضاء النبطية ومحيطه، والهدف الأساسي لتفكيك ما يُصنّف في الوثائق والاستخبارات العسكرية بـ «المجمعات الأنفاقية المعقدة».
الجغرافيا العسكرية والغطاء التاريخي للمرتفع
تمثل التلة مع مرتفعات قلعة الشقيف، والدبشة، ورأس الطهرة، المنظومة الدفاعية والهجومية الأساسية للسيطرة على وسط الجنوب اللبناني، حيث تكتسب أهميتها من عدة محاور:
- الحاكمية الميدانية الشاملة والمسح الجغرافي: تتيح التلة لمن يسيطر عليها كشف مساحات واسعة تتجاوز النبطية وكفررمان، لتصل إلى إقليم التفاح، وجبل الريحان، وعمق البقاع الغربي، وصولاً إلى المحاور المحاذية لمجرى نهر الليطاني، ما يجعلها مركز استطلاع بصري وراداري غير بديل.
- الخط الدفاعي الثاني شمال الليطاني: تكمن الخطورة الميدانية الحاكمة للتلة في كونها تشكل خط الدفاع الثاني المباشر؛ وفي حال نَجاح القوات الإسرائيلية في الاستقرار عليها، فإنها ستنسخ تكتيك «القضم العسكري» لعزل الجنوب اللبناني عن محيطه الجغرافي الحيوي، وتقويض القدرات الميدانية المتبقية عبر فرض حصار يتجاوز حدود الشريط الحدودي التقليدي.
- المسار التاريخي للتموضع العسكري: شَكّلت التلة موقعاً عسكرياً حصيناً للاحتلال الإسرائيلي بين عامي 1982 و2000 للتحكم بشرايين المنطقة. وعقب انسحاب عام 2000، تحول الموقع إلى نقطة ارتكاز لبناء بنية دفاعية وتحت أرضية صلبة اعتمد عليها «حزب الله» في صياغة معادلته للردع الميداني والتثبيت العسكري.
استراتيجية «حرب الأنفاق» والتكتيكات الإسرائيلية
تشير التقارير الوثائقية والبيانات الميدانية الصادرة خلال صيف 2026 إلى أن التركيز الإسرائيلي المكثف على تلة علي الطاهر يعود لأسباب استراتيجية محددة تشكل جوهر المواجهة البرية:
- تفكيك مجمع الأنفاق المحصن: تؤكد التقديرات العسكرية والأمنية أن علي الطاهر تحتضن شبكة أنفاق متشعبة ومحفورة في الطبقات الصخرية الصلبة. وتصنف هذه الشبكة كمركز قيادة وسيطرة تحت الأرض يحتوي على مستودعات للأسلحة الثقيلة، وغرف عمليات لوجستية، وأنظمة اتصالات مستقلة، ما يجعلها درعاً استراتيجياً عصياً على الغارات الجوية التقليدية والتدمير السطحي.
- الذرائع وتكتيك «الاستدراج بالنقاط»: تسعى تل أبيب للترويج لخرق الحزب لتفاهمات وقف إطلاق النار عبر اتهامه بإطلاق مسيّرات وصواريخ باتجاه آلياتها قرب التلة. وتعتمد إسرائيل تكتيك «اختبار ردود الفعل» والاستدراج بالنقاط لقياس مدى جاهزية الحزب لمواجهة واسعة، وهو ما يدخل مباشرة ضمن دائرة الحسابات والتقديرات الإيرانية.
- التكتيكات المستحدثة وشبه الحصار: شهدت الأشهر الأخيرة محاولات إسرائيلية متكررة لعزل التلة عبر التقدم من محور كفرتبنيت والزفاتة. ومع امتناع عناصر المقاومة عن الاستسلام وتثبيت وجودهم داخل المجمع التحت أرضي، استخدم الجيش الإسرائيلي تقنيات الروبوتات المسلحة، والآليات الموجهة عن بُعد، والقذائف الفوسفورية والمسح الميداني المكثف لسد مداخل الأنفاق وتجنب كلفة القتال المباشر في العمق.
خلفيات التهديد الإيراني بالتدخل العسكري المباشر
تتعدى معركة «علي الطاهر» حدود الميدان اللبناني لتلامس الأبعاد الجيوسياسية لطهران في إطار المواجهة المفتوحة مع واشنطن وتل أبيب؛ إذ ينطوي التهديد الإيراني بالتدخل لمنع اقتحام التلة أو الاستقرار فيها على خلفيات استراتيجية حاسمة:
- حماية الصندوق الأسود اللهندسة العسكرية: تُصنف التلة استخبارياً كأحد أثقل مجمعات القيادة والسيطرة التحت أرضية التي أُنشئت بإشراف وتطوير مباشرين من الحرس الثوري الإيراني. وسقوط هذه التلة أو تفكيكها يعني كشف وتجريد أسرار الهندسة العسكرية المحصنة المعتمدة في المنطقة على مدى عقود.
- منع إسقاط خط الردع المتقدم: يمنح الارتفاع الاستراتيجي للتلة حاكمية نارية واستطلاعية تحكم خطوط الإمداد والمناورة بين شمال وجنوب الليطاني. وتدرك طهران أن السيطرة الإسرائيلية عليها ستصيب المنظومة الدفاعية في قضاء النبطية بشلل كامل، مما يعرّي العمق اللبناني ويُسقط إحدى أهم أوراق القوة التي تعتمد عليها إيران في التفاوض الإقليمي ورسم قواعد الاشتباك.
- كسر معادلة فرض الشروط: تُعامل طهران محاولة إسرائيل التمركز في علي الطاهر بوصفها عملية تجاوز للخطوط الحمراء وانتقالاً من الاقتحام الحدودي إلى فرض الواقع الأمني في العمق، وهو ما دفعها للتأكيد على أن تثبيت أقدام الاحتلال في علي الطاهر سيفجر مواجهة واسعة النطاق تتجاوز حدوده الميدانية المباشرة.
المسار الدبلوماسي وعقدة «طرح روما» واستلام الجيش اللبناني
لم تعد التلة مجرد هدف عسكري، بل تحولت إلى عقدة تفاوضية شائكة تتجاذبها الضغوط الدولية والمواقف المحلية:
- المقترح الأميركي في روما: خلال الجولة الأخيرة من مفاوضات روما، عرض الجانب الأميركي على العسكريين اللبنانيين تسلّم الجيش اللبناني للتلة وإخراج عناصر «حزب الله» منها كشرط لدرء هجوم إسرائيلي واسع ومنع انفجار الجبهة الجنوبية مجدداً. غير أن الوفد اللبناني لم يقدم إجابة حاسمة، لعلمه المسبق بالرفض الضمني لهذه الآلية من قبل الأطراف المعنية.
- موقف «حزب الله» ومبررات الرفض: أبدى الحزب رداً سلبياً قاطعاً عند استفساره عن المقترح قبل أسبوعين، معتبراً أن الطرح يخدم الأجندة الإسرائيلية في التجريد الميداني. ويرتكز رفضه على خشية إبعاد الجيش مستقبلاً كما حدث في تجارب سابقة (كبلدة المنصوري)، مع تأكيده أن عدم التسليم لا يعكس شكوكاً بوطنية المؤسسة العسكرية، بقدر ما يهدف لمنع تقديم تنازلات مجانية تحت الضغط العسكري.
-الضغط التفاوضي والاستثمار الداخلي: تسعى تل أبيب لاستغلال حالة الفراغ والأهمية العسكرية للتلة لتعزيز موقفها على طاولة المفاوضات الدولية، وتوظيف أي مكاسب ميدانية في هذا المرتفع الحاكم لاستثمارها في الداخل الإسرائيلي.
السيناريوهات المستقبلية وميزان القوة
أمام هذا الاستعصاء الميداني والدبلوماسي، تتجه التطورات نحو عدة مسارات إستراتيجية مفتوحة:
- سيناريو حرب الاستنزاف التحت أرضية: إصرار القوات الإسرائيلية على استخدام تقنيات التمشيط والمحاصرة مع تمسك الحزب بالتحصينات، مما يحول التلة إلى نقطة استنزاف دائم تستقر على جرف ناري غير حاسم.
- سيناريو التدويل والأمر الواقع: فرض خطة انتشار أمنية معدلة للجيش اللبناني واليونيفيل بدعم دولي لتفادي انفجار المواجهة الشاملة، وهو خيار يصطدم بشروط الطرفين.
- سيناريو الانفجار الإقليمي: لجوء القوات الإسرائيلية إلى اقتحام واسع للمجمع التحت أرضي، مما قد يدفع طهران إلى تحريك أدوات ردع جديدة تفجر قواعد الاشتباك وتتجاوز الجغرافيا اللبنانية.
تستمر تلة علي الطاهر في فرض نفسها كإحدى أشرس نقاط التماس في الجنوب اللبناني، حيث يختصر الصراع عليها ميزان القوى الميداني والسياسي بين خيار السيطرة والتجريد العسكري الإسرائيلي، وبين معادلة التثبيت وصمود الأنفاق، في انتظار ما ستسفر عنه الضغوط الدبلوماسية المعقدة.