6 ربيع الأول 1448

الموافق

الخميس 20-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم لماذا لا نتقدّم رغم الصمود والتضحيات؟
لماذا لا نتقدّم رغم الصمود والتضحيات؟
د. عبد الرحيم جاموس
2026-08-20
لماذا لا نتقدّم رغم الصمود والتضحيات؟

من أكثر الأسئلة إيلامًا وإلحاحًا في التجربة الفلسطينية المعاصرة: لماذا لا نتقدّم، رغم عقود طويلة من الصمود، ورغم هذا الحجم الهائل من التضحيات؟
ليس السؤال تشكيكًا في شعب أثبت، على امتداد أكثر من قرن، قدرة استثنائية على البقاء والمقاومة والتمسك بأرضه وحقوقه.
 وليس تقليلًا من قيمة الشهداء والأسرى والجرحى والمشردين وكل من دفع من حياته ثمنًا للحرية. 
وإنما هو سؤال المراجعة الضرورية: كيف ننجح في تحويل الصمود إلى إنجاز، والتضحيات إلى قوة سياسية قادرة على تغيير موازين الصراع؟
أحسب أن الخلل لا يكمن في الشعب الفلسطيني، وإنما بدرجة كبيرة في الفجوة بين عظمة التضحيات وضعف القدرة على إدارتها سياسيًا واستثمارها وطنيًا.
لقد امتلك الفلسطينيون طاقات هائلة من المقاومة والصمود والتأييد الشعبي والتعاطف الدولي، لكنهم لم ينجحوا دائمًا في جمع هذه الطاقات ضمن استراتيجية وطنية واحدة، واضحة الأهداف والأدوات والمراحل.
 فالمقاومة بقيت في أحيان كثيرة منفصلة عن السياسة، والسياسة منفصلة عن عناصر القوة الشعبية، بينما ظل القرار الوطني موزعًا بين مراكز وقوى وبرامج متباينة.
وهنا تكمن إحدى أخطر مشكلاتنا: الانقسام الفلسطيني لم يعد مجرد خلاف سياسي بين فتح وحماس، بل تحول مع الزمن إلى بنية سياسية ومؤسسية ومصلحية يصعب تفكيكها بالشعارات وحدها. 
وأصبح الاحتلال يستفيد من انقسام النظام السياسي والجغرافي الفلسطيني، فيما تُستنزف طاقات الفلسطينيين في صراعات داخلية كان ينبغي أن تُوجَّه إلى مواجهة الاحتلال وبناء المشروع الوطني.
ولذلك فإن المصالحة المطلوبة ليست مجرد لقاء بين القيادات أو اتفاق مؤقت على توزيع السلطة؛ وإنما هي إعادة بناء للنظام السياسي الفلسطيني كله، على قاعدة الشراكة الوطنية، وتجديد الشرعية، والانتخابات حيثما أمكن، والمساءلة، واحترام التعدد السياسي، وإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير بوصفها الإطار الوطني الجامع.
كما أننا بحاجة إلى مراجعة شجاعة للتجربة السياسية الفلسطينية. لا يكفي أن نحمّل الاحتلال مسؤولية كل إخفاق، مع أن الاحتلال هو أصل المأساة والاستعمار والاستيطان والعدوان. ولا يجوز في المقابل أن نختزل أسباب التعثر في أخطاء فصيل أو قيادة بعينها. 
الشعوب تتقدم عندما تمتلك شجاعة الاعتراف بأخطائها، وتراجع خياراتها، وتتعلم من تجاربها.
لقد أثبتت التجربة أن البطولة وحدها لا تصنع النصر، كما أن التضحيات وحدها لا تنتج بالضرورة إنجازًا سياسيًا.
 البطولة ضرورة، والمقاومة حق، والتضحيات هي وقود التحرر؛ لكن قيمتها التاريخية تتضاعف حين تدخل في استراتيجية وطنية قادرة على تحويل القوة الشعبية إلى مكاسب سياسية، والقضية العادلة إلى ضغط دولي، والتضحيات إلى طريق نحو الحرية والاستقلال.
والعالم اليوم يشهد تحولات مهمة في النظرة إلى القضية الفلسطينية، واتساعًا في الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، وتزايدًا في حضور الرواية الفلسطينية في الرأي العام العالمي. 
لكن هذه التحولات تحتاج إلى قيادة وطنية قادرة على استثمارها وتحويلها إلى مسار سياسي وقانوني ودبلوماسي متراكم، لا أن تظل مجرد تعاطف أخلاقي مع شعب مظلوم.
إن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نواصل إنتاج الأساليب نفسها، ثم ننتظر نتائج مختلفة.
نحن لا نحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى استراتيجية وطنية جديدة. لا نحتاج إلى مزيد من الانقسام، بل إلى استعادة وحدة الإرادة الوطنية. ولا نحتاج إلى إلغاء التعدد، بل إلى تنظيمه داخل إطار وطني جامع.
لذلك، فإن السؤال الأعمق ليس فقط: لماذا لا نتقدم رغم الصمود والتضحيات؟
بل: لماذا نعجز عن تحويل هذا الصمود العظيم وهذه التضحيات الجسام إلى قوة سياسية وتاريخية تغيّر ميزان الصراع؟
هنا تبدأ المراجعة الحقيقية: مراجعة منظمة التحرير، والانقسام، وتجربة السلطة، وأوسلو، والمقاومة، وآليات صنع القرار، والعلاقة بين الداخل والشتات، وعلاقة السياسة بالمقاومة، وعلاقة الوطنية بالديمقراطية.
ليس المطلوب جلد الذات، ولا توزيع الاتهامات، وإنما استعادة القدرة على الفعل.
فالشعب الذي استطاع أن يبقى، ويصمد، ويقاوم، ويحافظ على هويته وحقوقه رغم كل ما تعرض له، يمتلك من عناصر القوة ما يكفي لصناعة المستقبل؛ شرط أن تتحول التضحيات من رصيد للذاكرة إلى استراتيجية للمستقبل، وأن يتحول الصمود من مجرد قدرة على البقاء إلى قدرة على تغيير الواقع.
فالمشكلة ليست في عجز الفلسطيني عن التضحية؛ وإنما في عجز النظام السياسي الفلسطيني عن تحويل التضحيات إلى إنجاز وطني.

جنوبيات
أخبار مماثلة