د. محمد حمود
كلود عبيد كما أراها فنانة حقيقية في كل مسيرتها، ولدت كلود فنانة، من يعرفها يعرف دماثة طبعها، بساطة سلوكها، قدرتها اللامحدودة على محبة الآخرين.
ابنة بلدة (جبرايل - عكار) اسمها الحقيقي ايكاز جرجس لم تتردد في الزواج من ضابط في الجيش اللبناني من القلمون لتشارك مع زوجها العميد محمد عبيد في تأسيس اسرة قوامها طبيب من مشاهير الأطباء والباحثين في الولايات المتحدة ومهندس ناجح في كندا.
«بناء عائلتي أول لوحة رسمتها، بيتي وعائلتي قبل كل شيىء حتى الرسم» تقول كلود في كتابها الأخير.
من يرى منزلها في بلدة معاد المتربعة على كتف البربارة يشعر أنه أمام متحف، حتى إذا دخل يحسب نفسه في معرض فني تزين جدرانه اللوحات المشغولة باتقان.
سمحت لها معرفتها وسهولة التعامل معها وتواضعها المفرط باشغال منصب نقيبة الفنانين التشكيليين فكان هاجسها «حماية الفن، وتحصين أوضاع الفنان وضمان حقوقه المعنوية والمادية وتأمين ضمان صحي ومعاش تقاعدي للفنان».
ولم يلاحظ أي انسان لديها رغبة في «الظهور» أو استغلال الموقع شأن العديد من «نقباء» هذه الأيام.
شعرت كلود عبيد بمدى حاجة الجمهور الى ثقافة فنية، فانصرفت من حين لآخر الى كتابة ما يساعد الجمهور على تكوين هذه الثقافة فكان كتابها الأول: الفن التشكيلي نقد الإبداع وإبداع النقد» كتاب جاء كلمات في الرسم ورسماً في الكلمات.
كتابها الثاني «التصوير وتجلياته في التراث الاسلامي» جاء رداً ضمنياً على فكرة حول موقف الأديان عموماً والاسلام بخاصة من التصوير، فجاء هذا الكتاب رائداً في ميدانه لا غنى عنه لكل مهتم بالفن إجمالاً، وبالفن العربي الإسلامي، والحضارة العربية الإسلامية بوجه عام.
لاحظت كلود، شأنها شأن المجددين، الأهمية المتزايدة للصورة في شتى أنواع الفنون، وسرعة الانتقال من مرحلة المسموع الى مرحلة المرئي، من هنا أهمية كتابها الثالث «جمالية الصورة، جدلية العلاقة بين الفن التشكيلي والشعر.
كلود عبيد قلمها الريشة ومدادها اللون، لاحظت بحدسها الفني مدى أهمية اللون في أفراحنا وأتراحنا، في مأكلنا وملبسنا.. فكان كتابها «الألوان» حين قدمت لنا تصوراً موجزاً وشاملاً مبنياً على استقراء يتناول مختلف الحضارات، تصوراً لرمزية الألوان ودلالاتها منذ القديم وحتى أيامنا هذه!
وكأنثى لاحظت كلود مدى تواضع منزلة المرأة في الفنون، فكان كتابها المميز والشيق «زوال الحجاب بين المرأة والكتاب» إذ ما ان بدأت المرأة تشق طريقها نحو المعرفة باتت أكثر من مجرد زينة في اللوحات الفنية وصارت انسانة تسعى الى الجمع بين الجمال والكمال!
كتابها الأخير «حكايتي مع الفن التشكيلي» رؤى، اضاوات، لقاءات» يروي مسيرتها مع هذا الفن بتواضع الفنان المبدع الذي يجمع بين العبودية والكبر ، عبودية الولاء للابداع وكبر المؤمن بقيم الحق والخير والجمال.
الشهرة لم تكن لمن هم مثلك لا معنى لها.
استاذ في الجامعة اللبنانية