7 ربيع الأول 1448

الموافق

الجمعة 21-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم تلة علي الطاهر في جنوب لبنان… من يفجّر الأنفاق أولاً؟
تلة علي الطاهر في جنوب لبنان… من يفجّر الأنفاق أولاً؟
العميد محمد الحسيني
2026-08-21
تلة علي الطاهر في جنوب لبنان… من يفجّر الأنفاق أولاً؟

 

في مرتفعات علي الطاهر، تبدو المعركة وقد دخلت مرحلة أكثر حساسية من مجرد السيطرة على مرتفع استراتيجي. فالتقارير الأخيرة للعدو الإسرائيلي تتحدث عن دخول قوات من لواء الكوماندوز ووحدة «ماجلان» إلى منشآت وأنفاق في المنطقة، والعثور على غرف قيادة وسيطرة، ومراكز عمليات، وقاذفات مضادة للدروع، ووسائل مسيّرة، ومواد استخباراتية. وإذا صحت هذه الرواية، فإن السؤال لم يعد فقط ما إذا كان جيش الاحتلال قادراً على الوصول إلى المجمع، بل ماذا سيفعل حزب الله إذا أصبحت أجزاء منه مكشوفة أمام الإسرائيليين؟
هذا التحول مهم؛ لأن قيمة الأنفاق لا تكمن في وجودها تحت الأرض فحسب، بل في قدرتها على توفير الحماية والسرية والاتصال والقدرة على المناورة. فإذا تمكن جيش الاحتلال من كشف مداخلها، واختراق أجزاء منها، والوصول إلى غرف القيادة ومراكز العمليات، بحسب ما تداولته وسائل إعلامه، فإن جزءاً أساسياً من وظيفتها العسكرية يكون قد تراجع. وهذا لا يعني بالضرورة سقوط الشبكة كلها، لكنه يعني أن المعركة انتقلت من حماية المنشأة إلى حماية ما تبقى من قدرتها على العمل.
وهنا يبرز خيار الانسحاب المنظم وتدمير ما يمكن تدميره قبل أن يتحول المجمع إلى مكسب استخباراتي وعملياتي للخصم. فالانسحاب من منشأة فقدت جزءاً من وظيفتها لا يعني بالضرورة التخلي عن المعركة، بل قد يكون قراراً يهدف إلى الحفاظ على القوة البشرية، وإخفاء القدرات التي لم تُكتشف بعد، ومنع الخصم من الاستفادة من البنية التحتية التي أمضى سنوات في محاولة الوصول إليها.


غير أن هذا الخيار يفترض أن يكون القرار لا يزال في يد حزب الله. فإذا كان جيش الاحتلال قد دخل أجزاء من الشبكة بالفعل، فإن المسألة تصبح مرتبطة بمن يسيطر على العقد الأساسية داخلها، وبما إذا كانت هناك قدرة فعلية على إخلاء المقاتلين والمعدات الحساسة قبل فقدان السيطرة. أما إذا أصبحت قوات الاحتلال الإسرائيلي تتحكم بالمداخل والممرات الرئيسية، فإن هامش المناورة أمام الطرف المدافع يتقلص بصورة كبيرة، ويصبح التفجير من داخله أقل احتمالاً وأكثر تعقيداً.
وهنا تكمن المفارقة: من يملك الأنفاق لا يملك بالضرورة قرار تدميرها. فإذا تمكن العدو الإسرائيلي من السيطرة على أجزاء واسعة منها، فقد يصبح تدمير المجمع مهمة إسرائيلية لا لبنانية. وهذا ليس احتمالاً نظرياً فقط؛ فقد تحدثت تقارير إسرائيلية ولبنانية خلال الأسابيع الماضية عن الاستعداد لتفجير شبكة الأنفاق في علي الطاهر، فيما أشارت تقارير أخرى إلى أن الحديث عن تفخيخها يستند حتى الآن، أساساً، إلى مصادر إسرائيلية.
لذلك، فإن الفارق كبير بين أن ينسحب حزب الله من الأنفاق ويفجرها بقراره، وبين أن يدخل العدو الإسرائيلي إليها ثم يدمرها. في السيناريو الأول، يحتفظ الحزب بقدر من المبادرة، ويختار توقيت التخلي عن المنشأة بعد تقليص فائدتها العسكرية. أما في الثاني، فإن تدمير الأنفاق يصبح جزءاً من عملية إسرائيلية تهدف إلى تحويل السيطرة الميدانية إلى إنجاز استراتيجي دائم.
ولا ينبغي هنا اختزال المسألة في سؤال من «ربح» ومن «خسر». فإسرائيل تريد من علي الطاهر أكثر من السيطرة على مرتفع؛ تريد تفكيك بنية عسكرية تعتبرها جزءاً من منظومة التهديد في جنوب لبنان. وفي المقابل، فإن حزب الله لا ينظر إلى الأنفاق باعتبارها مجرد منشآت إسمنتية يمكن استبدالها، بل باعتبارها جزءاً من منظومة دفاعية أوسع. ولذلك فإن خسارة المنشأة، إذا حدثت، لا تعني تلقائياً انهيار القدرة العسكرية للحزب، لكنها تعني بالتأكيد خسارة عقدة عملياتية ذات قيمة. وقد وصفت تحليلات لبنانية حديثة علي الطاهر بأنه موقع يحمل رمزية عسكرية خاصة للحزب، وأن إسرائيل تسعى إلى تحويل تدمير الأنفاق إلى إنجاز يتجاوز قيمته الميدانية المباشرة.
أما على المستوى الإسرائيلي، فإن السيطرة على علي الطاهر أو تدمير منشآتها يمكن أن يقدما للاحتلال مكسبين في آن واحد: مكسباً ميدانياً يتمثل في إزالة بنية تحتية عسكرية، ومكسباً استخباراتياً يتمثل في ما يمكن جمعه من وثائق ومعلومات ومعدات داخلها. ولهذا تحديداً يصبح منع الوصول إلى الطبقات والمراكز الحساسة من المجمع أكثر أهمية من مجرد الحفاظ على الأرض فوقه.
لكن التطورات الأخيرة لا تسمح بعد بإعلان أن المعركة حُسمت. فقد سبق للعدو الإسرائيلي أن أعلن في 26 حزيران السيطرة الكاملة على التلة، بينما نفى حزب الله ذلك وأكد استمرار وجود مقاتليه فيها. كما أن تقارير أحدث ما زالت تتحدث عن عمليات ومحاولات إسرائيلية جديدة حول الموقع، ما يدل على أن السيطرة الميدانية الكاملة لا تزال موضع خلاف.
ومن هنا، فإن الاحتمال الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة قد لا يكون اقتحام الأنفاق بحد ذاته، بل كيفية حسم مصيرها. فإذا بقي لحزب الله مجال للحركة داخل الأجزاء التي لم تُخترق، فقد يصبح الانسحاب المنظم مع تعطيل المنشأة خياراً مطروحاً لتفويت المكسب الاستخباراتي والعملياتي على إسرائيل. أما إذا فقد السيطرة على مفاصل الشبكة، فقد يصبح أمام خيار أصعب: القتال داخلها حتى النهاية، أو ترك إسرائيل تتولى مهمة تدميرها.
وهذا هو جوهر معركة علي الطاهر اليوم. فالمعركة ليست فقط على من يبقى فوق التلة، بل على من يقرر كيف تنتهي وظيفة ما تحتها. فإذا اختار حزب الله الانسحاب قبل فقدان السيطرة وتدمير ما لا يريد تركه، فسيكون قد اتخذ قراراً مؤلماً، لكنه يحافظ بذلك على المبادرة. أما إذا سبق العدو إلى السيطرة الكاملة ثم فجّر المجمع، فسيكون معنى ذلك أن المبادرة انتقلت بالكامل إلى الطرف الإسرائيلي.
حتى الآن، لا توجد معطيات موثوقة تثبت أن حزب الله قرر الانسحاب من أنفاق علي الطاهر وتفجيرها. لذلك يجب أن يبقى هذا الخيار في إطار التحليل العسكري المحتمل، لا الخبر المؤكد. وكلما اتسعت السيطرة الإسرائيلية داخل المجمع، أصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل يختار حزب الله أن يهدم بنفسه ما لم يعد قادراً على حمايته، أم يترك لإسرائيل مهمة هدمه بعد الاستيلاء عليه؟
في علي الطاهر، قد تكون لحظة الانفجار المقبلة أهم من لحظة الدخول إلى الأنفاق نفسها؛ لأنها ستكشف، أكثر من أي بيان، من بقي يملك القرار في نهاية المعركة.

أخبار مماثلة