في لبنان، نكاد نتعامل مع كلمة «التوافق» وكأنها شرط مسبق لكل قرار، مهما كان نوعه أو حجمه أو درجة الاستعجال فيه. لا أحد يستطيع الاعتراض على مبدأ التوافق في بلد متعدد الطوائف والمكونات، لأن الشراكة الوطنية ليست ترفاً سياسياً، بل جزء من طبيعة النظام اللبناني. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التوافق من وسيلة لحماية الشراكة إلى وسيلة لتعطيل القرار، ومن ضمانة لعدم استبعاد أحد إلى حق فعلي في منع الجميع من اتخاذ أي قرار.
السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم ليس ما إذا كان لبنان يحتاج إلى التوافق، بل ما هو الحد الفاصل بين التوافق والتعطيل؟ وهل يفترض أن يبقى القرار معلقاً إلى أن يوافق عليه الجميع، أم أن المؤسسات الدستورية وجدت أصلاً لاتخاذ القرارات عندما يتعذر الوصول إلى إجماع كامل؟
في الأنظمة السياسية، الاختلاف أمر طبيعي وضروري. أما تحويل كل خلاف إلى سبب لتأجيل القرار، فيعني عملياً أن الدولة تصبح رهينة للأطراف الأكثر قدرة على الاعتراض. عندها لا يعود التوافق شراكة بين اللبنانيين، بل يتحول إلى حق نقض غير معلن، يستطيع من خلاله أي طرف تعطيل قرار لا يناسبه، ثم تقديم هذا التعطيل على أنه دفاع عن «الوحدة الوطنية».سياسة
المفارقة أن لبنان لا يعاني دائماً من غياب الاتفاق، بل يعاني أحياناً من المبالغة في انتظار الاتفاق. هناك قرارات تحتاج إلى نقاش واسع وتفاهم بين المكونات الأساسية، لكن هناك أيضاً قرارات يجب أن تُتخذ، لأن عدم اتخاذها هو بحد ذاته قرار، وغالباً ما يكون القرار الأسوأ. فالدولة التي تؤجل كل استحقاق بحجة انتظار التوافق قد تبدو حريصة على الوحدة، لكنها في الواقع تخاطر بتحويل العجز إلى قاعدة حكم.
والأخطر أن مفهوم التوافق أصبح قابلاً للتفسير وفق موازين القوى. فعندما يوافق الجميع على قرار ما، يُقال إن التوافق انتصر، وعندما يعترض طرف قوي، يصبح غياب التوافق سبباً لتأجيل القرار. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل التوافق في لبنان هو توافق على القرار، أم توافق على عدم اتخاذ القرار؟
لا يمكن لدولة أن تستمر بهذه الطريقة، خصوصاً في مرحلة تواجه فيها تحديات سيادية وأمنية وسياسية متزامنة. وهذا لا يعني العودة إلى منطق الأكثرية التي تفرض إرادتها على الأقلية، ولا يعني إلغاء الشراكة الوطنية. المطلوب هو إعادة تعريف التوافق نفسه: التوافق يجب أن يكون آلية لإنتاج القرار، لا آلية لمنع القرار.
ربما آن الأوان لأن نسأل أنفسنا بصراحة: هل أصبح لبنان يخشى اتخاذ القرار أكثر مما يخشى نتائج عدم اتخاذه؟ لأن الفراغ السياسي ليس موقفاً محايداً. عندما لا تقرر الدولة، يقرر الآخرون؛ وعندما تتأخر المؤسسات، تتقدم موازين القوى؛ وعندما تغيب المرجعية الرسمية، تظهر مرجعيات أخرى تملأ الفراغ.تاريخ
التوافق الحقيقي لا يعني أن يتفق اللبنانيون على كل شيء، فهذا مستحيل. التوافق الحقيقي هو أن يتفقوا على من يملك حق اتخاذ القرار، وكيف يُتخذ، ومن يتحمل مسؤوليته. أما أن يصبح كل خلاف سبباً لتجميد الدولة، فذلك لا يحمي الشراكة الوطنية، بل يفرغها من مضمونها.
لبنان لا يحتاج اليوم إلى توافقات جديدة تؤجل الأسئلة الصعبة، بل إلى توافق أعمق وأصعب: التوافق على أن للدولة حقاً في أن تقرر.