26 ربيع الأول 1448

الموافق

الأربعاء 09-09-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم من وعد بلفور إلى الاعتراف بعدم شرعية الاحتلال
من وعد بلفور إلى الاعتراف بعدم شرعية الاحتلال
د. مؤيد بدران
2026-09-09
من وعد بلفور إلى الاعتراف بعدم شرعية الاحتلال

في الثاني من نوفمبر عام 1917، خرج من لندن وعدٌ لم يتجاوز في طوله بضعة أسطر، لكنه كان كافيًا ليغيّر تاريخ شعب كامل.

كان ذلك وعد بلفور.

وعدٌ أصدرته بريطانيا، القوة العظمى آنذاك، لتعلن تأييدها إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، في أرض كان لها شعبها وأهلها وتاريخها، دون أن يكون لهذا الشعب رأي في الوعد الذي سيعيد رسم مستقبله.

مرّت السنوات، ثم العقود.

انتهى الانتداب البريطاني، وقامت دولة إسرائيل، ووقعت النكبة، وهُجّر مئات الآلاف من الفلسطينيين، ثم جاء احتلال عام 1967، وتوسعت المستوطنات، وتقلصت الأرض الفلسطينية عامًا بعد عام.

وبقي الفلسطيني يحمل السؤال نفسه:

من يعيد إليه ما أخذته السياسة الدولية منه؟

وبعد ما يقارب مئة وتسعة أعوام من وعد بلفور، عادت بريطانيا لتقف أمام فلسطين من جديد.

لكن هذه المرة بلغة مختلفة.

في الثامن من سبتمبر 2026، أعلن وزير الخارجية البريطاني أمام مجلس العموم أن الموقف الرسمي للحكومة البريطانية يعتبر الاحتلال الإسرائيلي المستمر للأراضي الفلسطينية غير قانوني.

ولم يتوقف الإعلان عند حدود الكلمات.

فقد أعلنت بريطانيا حظر استيراد البضائع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية، والتحرك ضد الشركات والأفراد الذين يمولون أو يسهّلون أو يستفيدون من التوسع الاستيطاني، ومنع الترويج داخل بريطانيا للعقارات والأراضي في تلك المستوطنات.

كما أعلنت أن تراخيص التصدير البريطانية التي يمكن أن تسهم ماديًا في استمرار الاحتلال لن تحظى بالموافقة.

لكن أكثر ما يلفت النظر في الإعلان البريطاني ليس الموقف السياسي وحده، بل الأرقام التي عرضها وزير الخارجية أمام مجلس العموم.

ففي عام 1993، عند توقيع اتفاق أوسلو، كان عدد المستوطنين الإسرائيليين في الأراضي الفلسطينية المحتلة يقدّر بنحو 270 ألف مستوطن.

واليوم، وبعد أكثر من ثلاثة عقود، وصل العدد إلى نحو 770 ألف مستوطن.

أي أن السنوات التي كان يفترض أن تقود إلى السلام وقيام الدولة الفلسطينية شهدت، في المقابل، توسعًا استيطانيًا هائلًا جعل الأرض التي يفترض أن تقوم عليها تلك الدولة أكثر تقطيعًا وتعقيدًا.

والأشد قسوة أن المسألة لم تعد مجرد أرقام على الخرائط.

فبحسب ما عرضه وزير الخارجية البريطاني، تم منذ عام 2023 تهجير 65 تجمعًا فلسطينيًا بالكامل.

خمسة وستون تجمعًا.

خلف كل واحد منها عائلات وبيوت وذكريات وأرض وحياة كاملة.

وهنا تكمن خطورة الاستيطان الحقيقية.

فالاستيطان ليس مجرد بناء بيت جديد على تلة، ولا مجرد رقم يضاف إلى إحصائية سنوية.

إنه تغيير للواقع على الأرض، وخلق حقائق يصعب التراجع عنها، وتضييق مستمر للمساحة التي يفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية يومًا ما.

إنها لحظة تستحق أن نتوقف عندها طويلًا.

ليس لأنها تمحو وعد بلفور، فهي لا تفعل.

وليس لأنها اعتذار بريطاني عن الماضي، فهي ليست كذلك.

ولكن لأن الدولة التي ارتبط اسمها قبل أكثر من قرن بواحدة من أهم اللحظات التي غيّرت مصير فلسطين، تقف اليوم لتقول رسميًا إن استمرار احتلال الأرض الفلسطينية أمر غير قانوني.

وبين الموقفين تاريخ كامل من الألم.

من بلفور إلى النكبة.

ومن النكبة إلى الاحتلال.

ومن الاحتلال إلى الاستيطان.

ومن المخيمات الأولى إلى أجيال وُلدت وكبرت وما زالت تحمل مفاتيح بيوت لم ترها يومًا.

ولهذا فإن ما أعلنته بريطانيا لا ينبغي أن يُقرأ فقط كقرار سياسي أو تجاري.

بل يمكن قراءته أيضًا بوصفه علامة على تحوّل متزايد في نظرة جزء من المجتمع الدولي إلى ما يجري على الأرض.

فحين تقول بريطانيا إن الاحتلال غير قانوني، ثم تنتقل من الإدانة إلى منع منتجات المستوطنات واتخاذ إجراءات ضد من يسهّل توسعها أو يستفيد منه، فإنها تنتقل خطوة من لغة المواقف إلى لغة الأفعال.

وهذا مهم.

لكنه ليس كافيًا.

فالفلسطيني الذي انتظر أكثر من قرن من حقه أن يسأل:

هل يكفي حظر منتجات المستوطنات؟

هل تكفي العقوبات؟

وهل يكفي أن يقال بعد كل هذه السنوات إن الاحتلال غير قانوني، بينما يستمر الاحتلال على الأرض؟

إن العدالة لا تُقاس فقط بمدى الاعتراف بالخطأ، بل بمدى الاستعداد لتصحيح نتائجه.

والتاريخ لا يعود إلى الوراء.

لا يمكن إعادة من رحلوا، ولا محو النكبة من ذاكرة شعب، ولا استعادة أكثر من قرن بجملة سياسية مهما كانت أهميتها.

لكن يمكن صناعة مستقبل مختلف.

ويمكن للدول التي كان لها دور في تشكيل الماضي أن يكون لها دور أكثر عدلًا في صناعة المستقبل.

ولعل المفارقة الأكثر عمقًا أن الموقفين صدرا من بريطانيا.

الأول عام 1917، حين تحدثت بريطانيا عن مستقبل فلسطين دون أن يمتلك الفلسطينيون القرار في وطنهم.

والثاني عام 2026، حين تقول بريطانيا إن الاحتلال الذي يحرم الفلسطينيين من ممارسة سيادتهم على أرضهم غير قانوني.

وبين الموقفين مئة وتسعة أعوام.

مئة وتسعة أعوام احتاجها التاريخ حتى تسمع فلسطين من لندن كلمات مختلفة.

لكن فلسطين اليوم لا تحتاج إلى الكلمات وحدها.

ولا إلى التعاطف وحده.

ولا حتى إلى الاعترافات الرمزية وحدها.

إنها تحتاج إلى عدالة قابلة للحياة على الأرض.

إلى شعب يعيش بحرية وكرامة.

إلى طفل فلسطيني لا يرث عن أبيه مفتاح بيت فقط، بل يرث وطنًا يستطيع أن يعيش فيه.

وإلى دولة فلسطينية حقيقية ذات سيادة، لا تقطع أوصالها المستوطنات والحواجز.

ربما لن تستطيع بريطانيا أن تغيّر ما كتبه بلفور عام 1917.

لكنها تستطيع، ومعها المجتمع الدولي، أن تقرر ماذا سيكتب التاريخ عنها بعد عام 2026.

فالتاريخ لا يحاسب الدول فقط على القرارات التي صنعت المآسي، بل يحاسبها أيضًا على الفرص التي امتلكتها لتصحيحها ولم تفعل.

جنوبيات
أخبار مماثلة