28 ربيع الثاني 1448

الموافق

الأحد 11-10-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "ثمن الإنسانية"!
"ثمن الإنسانية"!
القاضي م جمال الحلو
2026-10-11
"ثمن الإنسانية"!

في أحد المطاعم في الهند، جلس مهندسٌ هنديّ إلى مائدته، وما إن وُضع الطعام أمامه حتى استرعى انتباهه مشهدٌ بسيط في ظاهره، عظيمٌ في دلالته؛ طفلٌ وطفلةٌ من أبناء الفقراء يقفان خلف الزجاج، تتعلّق أعينهما بالطعام، وتراقبان ما يجري في الداخل بصمتٍ تختلط فيه الرغبة بالخجل، والحاجة بمرارة الحرمان.

لم يتجاهل المهندس نظراتهما، ولم يتظاهر بأنّه لم يرهما، بل ناداهما برفق، ودعاهما إلى الدخول. تقدّما بخطواتٍ متردّدة، ثم جلسا إلى جواره، فطلب منهما أن يختارا ما يشتهيان من الطعام. أشار الصبي إلى الصحن الذي أمام المهندس، وكأنّه وجد فيه ما تشتهيه نفسه الصغيرة. فما كان من الرجل إلا أن طلب لهما وجبتين، وظلّ جالسًا معهما، يشاركهما المكان واللحظة، ويمنحهما من إنسانيّته ما هو أبعد من مجرّد وجبة طعام.

وبعد أن فرغوا من تناول الطعام، طلب المهندس فاتورة الحساب، منتظرًا أن يسدّد ثمن الوجبات، لكنّه فوجئ بأنّ الفاتورة خالية من أيّ مبلغ، وقد كُتبت عليها عبارةٌ من صاحب المطعم تقول:

«نحن لا نملك آلةً حاسبة تستطيع أن تحسب ثمن الإنسانية».

We don’t have a machine that can bill humanity.

يا لها من عبارة تختصر فلسفةً كاملة في الحياة! فثمة أشياء لا تُقاس بالأرقام، ولا تُقدَّر بالأثمان، ولا تستطيع أكثر الآلات تطوّرًا أن تحصي قيمتها؛ كرحمةٍ تُحيي قلبًا منكسرًا، ولقمةٍ تسدّ جوع محتاج، وكلمةٍ طيّبة تعيد الأمل إلى نفسٍ أنهكها اليأس، ويدٍ تمتدّ في اللحظة التي يظنّ فيها الإنسان أنّ العالم قد تخلّى عنه.

إنّ عظمة الإنسان لا تكمن فيما يملك، ولا فيما يجمعه من مالٍ أو جاه، بل فيما يمنحه للآخرين دون انتظار مقابل. فكم من غنيٍّ أثقل خزائنه بالمال، وأفقر قلبه من الرحمة، وكم من إنسانٍ بسيط لا يملك إلا القليل، لكنّه يمنح من حوله ما تعجز عنه الثروات؛ لأنّ الكرم الحقيقي ليس في وفرة ما نُعطي، بل في صدق ما نشعر به تجاه الآخرين.

ولعلّ أجمل ما في هذه الحكاية أنّ الخير لم يكن فعلًا منفردًا، بل سلسلةً من المشاعر النبيلة المتعاضدة؛ عينان صغيرتان كشفتا حاجةً صامتة، وقلبٌ كبير استجاب دون تردّد، وصاحب مطعم أدرك أنّ بعض المواقف تستحقّ أن تُعفى من الحساب، لأنّ قيمتها أسمى من أن تُختزل في فاتورة. وهكذا تحوّلت وجبةٌ عابرة إلى درسٍ خالد في معنى الرحمة، وصار موقفٌ بسيط شاهدًا على أنّ الإنسانية ما زالت قادرةً على أن تُضيء أكثر الأماكن عتمةً حين تجد مَن يُخلص لها.

إنّ الخير الذي نزرعه في حياة الآخرين لا يضيع، حتى إن لم نرَ ثمرته بأعيننا. فقد يعود إلينا في دعوةٍ صادقة، أو في محبّةٍ لا نعرف كيف وُلدت، أو في يدٍ تمتدّ إلينا حين تضيق بنا السبل. وربما لا يعود إلينا من الشخص نفسه، لكنّه يظلّ حيًّا في أثره، ينتقل من قلبٍ إلى قلب، ومن موقفٍ إلى آخر، حتى يغدو الرحمةَ التي يحتاج إليها العالم.

وليس المطلوب أن نمتلك ثروةً كي نصنع فرقًا، ولا أن ننتظر مناسبةً عظيمةً لنفعل خيرًا؛ فقد تكون ابتسامةٌ صادقة، أو مساعدةٌ خفيّة، أو لقمةٌ نقدّمها لجائع، أو كرامةٌ نحفظها لمحتاج، أثمن عند الله وأعظم أثرًا من عطايا كثيرةٍ يرافقها التباهي والمنّ. فالعطاء الأجمل هو ذاك الذي يصون كرامة الإنسان، ويمنحه الشعور بأنّه ليس وحيدًا في مواجهة قسوة الحياة.

والعبرة أنّ الحياة لا تُقاس بما نأخذه منها، بل بما نتركه فيها من أثرٍ طيّب. فالمال يُحصى، والممتلكات تُقيَّم، والأشياء تُسجَّل في الدفاتر، أمّا الرحمة الصادقة فلا فاتورة لها، والإنسانية الحقيقية لا يحدّد قيمتها رقم، ولا تفيها خزائن الأرض حقّها.

ازرعوا الخير حيثما كنتم، وامنحوا الرحمة لمن يحتاج إليها، ولا تستصغروا معروفًا مهما بدا بسيطًا؛ فقد تكون لقمةٌ تقدّمونها سببًا في جبر خاطر، وقد تكون مبادرةٌ صغيرة درسًا يبقى في ذاكرة إنسانٍ طوال عمره.

ازرعوا الخير، فليس كلّ ما لا يُسجَّل في دفاتر الحساب يضيع؛ فبعض العطاءات تُكتب في القلوب، وبعض المواقف تبقى في الذاكرة، وبعض صنائع المعروف لا تُقدَّر بثمن، لأنّها ببساطة... ثمن الإنسانية.

جنوبيات
أخبار مماثلة