تشكّل اليمن منذ العام ١٩٣٤وحيث اعتُبرت عسير وجيزان ونجران أرضا سعودية بعد عملية عسكرية سعودية انتهت بمعاهدة في مثابة حديقة خلفية للمملكة العربية السعودية وتربط ذلك بأمنها القومي. ووفقا لهذه المقاربة فإن الرياض رأت في سيطرة الحوثيين على صنعاء في العام ٢٠١٥ تحوّلا يمنيّا جوهريا يهدد مصالحها. ففتحت حربا على اليمن بهدف إضعاف الحوثيين في فترة كانت فيها واشنطن وطهران منشغلتين بالتفاوض على الاتفاق النووي خلال فترة ولاية جو بايدن ما أتاح لاحقا تعاونا بين ايران والحوثيين وحال دون احتواء الرياض لهذه الظاهرة والتعايش معها بدل الاعتماد على قوى يمنية بديلة وعلى تنازع النفوذ مع دولة الامارات والتي تطمح إلى أدوار سياسية واقتصادية تتجاوز حدودها وتحديدا في جنوب اليمن واعتمادا على "لواء العمالقة" وتوظيف استثمارات في إحدى الجزر اليمنية الواعدة سياحيا واقتصاديا وأمنيا ومعها ميناء عدن و"المجلس الانتقالي" فيها.
التمدد العسكري المفاجئ للحوثيين وانهيار القوى اليمنية المضادة والسيطرة على الساحل البحري ألغى عمليا الهدنة القائمة في العام ٢٠٢٢ بين المملكة والحوثيين بعد معاودة الهجمات الجوية السعودية على المواقع الحوثية باعتبار أن الحوثيين يهددون الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر. إنما الشعار الذي طرحه حلفاء السعودية من اليمنيين وتحديدا من رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد محمد العليمي "بتحرير كامل أراضي اليمن واستعادتها من الحوثيين بما فيها العاصمة صنعاء" كان شعارا كبيرا ومبالغا فيه ولا يستقرئ التحوّلات العميقة في المنطقة ولا حسابات واشنطن وطهران والقوى الاقليمية بما فيها تركيا وباكستان واسرائيل.
واشنطن صاحبة القوة العسكرية الأساسية في بحر الخليج والتي تملك أهم قوة جوية على حاملات الطائرات والقواعد العسكرية تلتزم عمليا "الحياد" في حرب اليمن. وتكتفي بالمساهمة بمعلومات استخبارية وبعقود بيع السلاح للمملكة العربية السعودية ولا تريد التورّط في حرب فرعية كونها تعطي الاولوية للمسار الأميركي'-الايراني وللوضع على مضيق هرمز. وكما لا تريد توسيع الحرب الأميركية-الايرانية مع حرصها على تأمين حرية الملاحة في باب المندب. إضافة إلى أنها وفّرت التزاما من الحوثيين بعدم التعرض للسفن الأميركية.
أما ايران والتي تربطها علاقات وثيقة بالحوثيين والذين يُعتبرون "الذراع الخارجية الأكثر تأثيرا لها" في موضوع تدفق النفط من باب المندب والبحر الأحمر. فإن هناك حالة من التكتّم والحذر حول موقفها. وخصوصا أنه كان يمكنها التوسّط بين الرياض والحوثيين قبل أن يتحوّل التوتر السعودي-الحوثي إلى حرب. فطهران ترغب في تطبيع العلاقات مع السعودية كونها الحلقة الأهم بين دول الخليج وخصوصا بعد أن تبيّن للرياض أن "الحماية الأميركية" لا تشكّل شبكة أمان وفقا لما أثبتته الحرب الأميركية-الايرانية. لكن إلى الآن طهران هي خارج الحرب السعودية-اليمنية. تراقب من بعيد ولا تجد أن الحوثيين يحتاجون مساعدتها العسكرية إلا إذا توسّعت دائرة المشاركين بالحرب أو تهددت فعلا المواقع الحوثية في صعده وفي صنعاء. فعندها بالتأكيد ايران لن تكون على الحياد.
بالنسبة لتركيا وباكستان. هناك التزام "باتفاق مكة". وهو التزام دفاعي أي الدفاع عن الأراضي السعودية لا المشاركة في الحرب ضد اليمن عبر قوات برية أو بحرية أو جوية. فباكستان هي عنصر وصل ايراني-سعودي. كما لا تريد لحرب اليمن أن يكون لها انعكاسات سلبيّة على الوساطة بين واشنطن وطهران خصوصا أنها تنسّق هذا الأمر مع دولة قطر.
بالنسبة لاسرائيل فهي مستفيدة من الحرب في اليمن. ذلك أنها تملك أذرعا عسكرية في الصومال الغربي وتقترب من باب المندب. كما تراهن على مشاركة المتطرفين الدينيين السوريين في الحرب اليمنية على تحويلها إلى حرب طوائفية بين المسلمين تكون هي الرابح فيها.
بدورها الصين تملك علاقات جيدة بالطرفين السعودي والحوثي وهي تُغلّب فكرة الوساطة.
وفي كل الأحوال الحل الديبلوماسي في اليمن قد يتأخر بعض الشيء. إنما من الواضح لا بديل من التفاهم على حل سلمي للخلاف السعودي-الحوثي. فكل النزاعات السعودية-اليمنية تاريخيا انتهت باتفاقات. وذلك من الضرورات التي تمليها التحوّلات. كون الإندفاع نحو "نزاعات" بطابع طوائفي سيحوّل المنطقة إلى ساحة حروب وبين دولها تحديدا.