عاد الخلاف حول الصهيونية إلى الواجهة من داخل المجتمع اليهودي نفسه، بعدما عبّر الحاخام دوف لاندو، أحد أبرز المرجعيات الدينية الحريدية في الكيان الإسرائيلي، عن موقف يفيد بأن حكم العرب كان يمكن أن يكون أفضل من قيام الدولة الصهيونية. ويطرح صدور هذا الموقف عن المرجعية الروحية لفصيل "دجل هتوراه" سؤالًا يتجاوز الانتقاد الديني: هل قيام الدولة الصهيونية مشروع ديني لا يجوز التشكيك فيه، أم خيار سياسي يمكن حتى لمعارضيه أن يروا أن بديله كان أفضل؟
التسجيل الذي بثته القناة 12 في الخامس من تشرين الأول الجاري يعود إلى لقاء مغلق جرى قبل نحو سنة ونصف. ولم تكن بعض مواقف لاندو الواردة فيه جديدة بالكامل؛ إذ نشرت صحيفة "جيروزالم بوست" في 9 شباط 2025 تصريحات له فضّل فيها حكم العرب، وتحدث عن إمكان العيش معهم من دون قيام الدولة الصهيونية، محمّلًا الصهيونية مسؤولية جعل العرب يكرهون اليهود وإلحاق "كوارث مادية" بالشعب اليهودي. أما في 18 شباط 2025، فقد تناولت الصحيفة نفسها، إلى جانب "تايمز أوف إسرائيل"، موقفه الرافض لمشاركة ممثلي "دجل هتوراه" في المؤسسات الصهيونية القومية. وجاءت إعادة بث التسجيل قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول، في ظل احتدام الخلاف حول الحرب والجيش والتجنيد والعلاقة بين الدين والدولة.
لم يقتصر كلام لاندو على انتقاد الحكومة أو الجيش، بل تناول أيضًا شرعية المشروع الصهيوني من منظور ديني وسياسي. ففي التسجيل، طرح احتمالًا بديلًا لقيام الدولة، مستحضرًا دور الأمم المتحدة في إدارة البلاد، ومقارنًا بين هذا الاحتمال وقيام الدولة الصهيونية. وبذلك انتقل من نقد السياسات القائمة إلى التشكيك في المسار التاريخي الذي أفضى إلى تأسيس الدولة.
ووجّه لاندو نقدًا حادًا إلى الصهيونية الدينية، التي تجمع بين الهوية الدينية والمشروع القومي والخدمة العسكرية. وفي حديثه عن الجنود المنتمين إليها، قال إنهم يُقتلون لأن حاخاماتهم يعلّمونهم "توراة مشوهة"، وفق الترجمة المنشورة للتسجيل. كما انتقد خوض الحروب من أجل "شرف الدولة"، معتبرًا أن القتال لا يجري دائمًا لإنقاذ الأرواح، بل قد يرتبط باعتبارات تتجاوز هذا الهدف. وتكشف هذه التصريحات أن خلافه لا يتعلق بسياسات الحكومة فحسب، بل بالمعنى الديني الذي تمنحه الصهيونية الدينية للدولة والجيش.
وينتقل كلام لاندو من خلاف ديني إلى قلب الصراع الداخلي: أي دولة هذه، وما موقع الصهيونية فيها؟
تنظر الصهيونية الدينية إلى الدولة بوصفها مشروعًا قوميًا ذا دلالة دينية، وترى في الجيش جزءًا أساسيًا من حمايتها. أما الرؤية الحريدية التي يعبر عنها لاندو، فلا تمنح قيام الدولة الصهيونية المعنى الديني نفسه؛ إذ يمكنها التعامل مع الدولة باعتبارها واقعًا سياسيًا والمشاركة في مؤسساتها، من دون اعتبار الصهيونية تحقيقًا دينيًا لغاية توراتية.
وهنا تكمن المفارقة: فـ"دجل هتوراه" يشارك في الحياة السياسية ويخوض الانتخابات، فيما يرفض لاندو تقديم الخدمة العسكرية على دراسة التوراة. وقد انتقد، في تصريح منفصل خلال الحملة الانتخابية الحالية، الدعوات إلى الامتناع عن التصويت، ووصفها بأنها "جريمة كبيرة". وهذا يوضح أن الاعتراض على الأساس الأيديولوجي للدولة لا يعني بالضرورة الانسحاب من مؤسساتها أو مقاطعة الحياة السياسية.
وتبقى قضية التجنيد إحدى أبرز نقاط الصدام بين الحريديم والصهيونية الدينية. فالقيادات الحريدية التي ينتمي إليها لاندو تتمسك بإعفاء طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية، بينما يرى التيار الصهيوني الديني في الخدمة جزءًا من المسؤولية الوطنية والدينية. ولا يقتصر الخلاف على توزيع الأعباء العسكرية، بل يمتد إلى الموارد العامة وطبيعة الواجب تجاه الدولة، بما يعكس تباينًا أعمق في فهم العلاقة بين الالتزام الديني والمواطنة.
ولا يكتمل فهم موقف لاندو من دون وضعه في سياقه الديني والتاريخي. فبعض التيارات اليهودية الحريدية المناهضة للصهيونية تستند إلى تفسير "العهود الثلاثة" الواردة في التلمود للاعتراض على إقامة سيادة سياسية يهودية قبل مجيء المخلّص. غير أن المواقف الحريدية ليست موحّدة في هذا الشأن، كما أن المشاركة في مؤسسات الدولة لا تعني بالضرورة تبنّي الصهيونية عقيدة دينية أو قومية. ومن هنا، تكتسب تصريحات لاندو دلالتها في إظهار التباين بين المشاركة السياسية والقبول بالأساس الأيديولوجي للدولة.
في الختام، لا تكمن الدلالة الأعمق لكلام لاندو في تفضيله احتمال حكم الأمم المتحدة أو العرب على قيام الدولة الصهيونية فحسب، بل في كشفه عن التوتر بين الهوية الدينية اليهودية والمشروع الصهيوني وبنية الدولة. وقد لا يشكل موقفه تهديدًا مباشرًا لبنية الدولة، لكنه يضع الأساس الديني للمشروع الصهيوني موضع تساؤل من داخل المجتمع اليهودي نفسه. كما يكشف أن الخلاف حول التجنيد ليس مجرد نزاع على توزيع الأعباء، بل صراع على تعريف الدولة وهويتها ومصادر شرعيتها. وهكذا يتجاوز السؤال الذي يطرحه التسجيل المفاضلة بين حكم العرب وقيام الدولة الصهيونية إلى مسألة أعمق: هل تستطيع هذه الدولة الحفاظ على تماسكها فيما تختلف مكوناتها حول المعنى الديني والتاريخي لوجودها؟