29 ربيع الثاني 1448

الموافق

الإثنين 12-10-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

أخبار عربية أخبار دولية عشية انتخابات الكنيست: ظاهرة الهجرة من "إســــرائيل".. هل تشكّل تهديداً استراتيجياً؟
عشية انتخابات الكنيست: ظاهرة الهجرة من "إســــرائيل".. هل تشكّل تهديداً استراتيجياً؟
ماهر الشريف
2026-10-12
عشية انتخابات الكنيست: ظاهرة الهجرة من "إســــرائيل".. هل تشكّل تهديداً استراتيجياً؟

 

سلطت الحملة لانتخابات الكنيست التي ستجرى في 27 تشرين الأول/أكتوبر الجاري الضوء على ظاهرة الهجرة من إسرائيل، وخصوصاً بعد أن تبيّن أن عدداً كبيراً من الناخبين الإسرائيليين المقيمين في الخارج يعتزمون العودة إلى إسرائيل للمشاركة في هذه الانتخابات، نظراً لأن التصويت بالوكالة أو عبر البريد غير مسموح به. وقد اعترض حزب "الليكود" على المبادرات التي تعتزم مساعدة الإسرائيليين المقيمين في الخارج على العودة للمشاركة في التصويت، وقدم طعناً أمام لجنة الانتخابات، وذلك بذريعة أن ذلك يُعتبر مساساً بـ "نزاهة العملية الانتخابية". وخلف الحجة القانونية، يكمن تخوف سياسي؛ إذ يخشى "الليكود" أن تؤدي عودة أعداد كبيرة من المغتربين إلى تعزيز موقف المعارضة في انتخابات تشهد منافسة محتدمة. ووفقاً لشبكة "سي إن إن"، فقد سجل أكثر من 35 ألف إسرائيلي أسماءهم بالفعل، بينما أبدى أكثر من 50 ألفاً اهتمامهم بهذه الرحلة الانتخابية. ويعتقد دينيس شاربيت، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المفتوحة في إسرائيل، أن من الصعب "الحصول على تقديرات دقيقة، لكن العدد قد يتراوح بين 100 ألف و150 ألف شخص ممن قد يشترون تذاكر طيران للمجيء والتصويت"، مقدّراً أن هذا الرقم هائل، لكنه "قد يمثل مقعدين أو ثلاثة فقط من أصل 120 مقعداً في الكنيست".

كان من المقرر أن تعقد لجنة الانتخابات المركزية، في 6 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، جلسة مخصصة لمناقشة الطعن الذي قدمه حزب "الليكود"، بيد أن هذا الحزب سحب في ذلك اليوم طعنه عقب جلسة استماع أمام رئيس لجنة الانتخابات المركزية، القاضي "نوعام سولبيرغ"، الذي كان قد أوصى بهذا الحل[1].

موجة الهجرة الجديدة تندرج ضمن تقليد طويل

تشهد إسرائيل، في الأعوام الأخيرة، ظاهرة نزوح جماعي لا سابق لها، تثير قلق جميع أطياف الحياة السياسية. وقد عبّر النائب جلعاد كاريف عن حزب "الديمقراطيين"-الذي ترأس لجنة التحقيق في هذه الظاهرة-عن هذا القلق أمام الكنيست قائلاً: "يختار العديد من الإسرائيليين بناء مستقبلهم خارج دولة إسرائيل، في حين تتناقص أعداد من يقررون العودة إليها؛ إن هذه الظاهرة تهدد صمود المجتمع الإسرائيلي، ويجب التعامل معها باعتبارها تهديداً استراتيجياً حقيقياً"، موجهاً انتقادات حادة لسياسات حكومة بنيامين نتنياهو التي "مزقت نسيج المجتمع الإسرائيلي قبل الحرب وأهملت الجبهة الداخلية على مدار العامين الماضيين".

من جانبها، علقت النائبة ميراف كوهين عن حزب "يوجد مستقبل" بسخرية على هذه الظاهرة قائلة: "بينما كانوا قد وعدوا بأن سكان غزة سيهاجرون طواعية، تبين أن حكومة السابع من تشرين الأول/أكتوبر هي التي شجعت الهجرة الطوعية من إسرائيل". بينما قدّرت زميلتها النائبة كارين الحرار عن الحزب نفسه أنه: "في كل يوم، يدرك المزيد والمزيد من الإسرائيليين حجم الإخفاقات الهائلة والفساد الخطير لهذه الحكومة، ويغرقون في اليأس"[2].

تاريخياً، كانت الهجرة من إسرائيل تُعزى في المقام الأول إلى البحث عن آفاق اقتصادية أفضل في الخارج. بيد أن الكثيرين ممن يغادرون إسرائيل اليوم يعزون قرارهم إلى حالة من الاستياء تجاه الحكومة-لا سيما بسبب التغييرات السياسية والقضائية التي تعمل على تنفيذها والتي يرى منتقدوها أنها تقوض الديمقراطية-أو بسبب الوضع الأمني ​​الراهن في البلاد.

يرى أستاذ التاريخ السياسي والفكر العربي الحديث في جامعة كولومبيا الأميركية، جوزيف مسعد، أن موجة مغادرة إسرائيل الجديدة-التي تلت الانتخابات الأخيرة سنة 2022-تندرج ضمن تقليد طويل من رحيل المستوطنين اليهود الذين أصيبوا بخيبة أمل، مشيراً إلى أن صحيفة "معاريف" الإسرائيلية نبهت، في شهر كانون الأول/ديسمبر 2022، إلى وجود حركة جديدة تهدف إلى تسهيل هجرة اليهود الإسرائيليين إلى الولايات المتحدة في أعقاب الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، الذين يرون أنها تغير علاقة الدولة الصهيونية بالدين. وتخطط هذه الحركة، التي تطلق على نفسها اسم "نغادر البلاد معاً"، لنقل 10 آلاف يهودي إسرائيلي في المرحلة الأولى من خطتها، ومن بين قادتها الناشط الإسرائيلي المعارض لنتنياهو، يانيف غورليك، ورجل الأعمال الإسرائيلي الأميركي مردخاي كاهانا.

وبينما كان مردخاي كاهانا يعمل بنشاط في الماضي على جلب المستوطنين اليهود إلى إسرائيل، فهو غرد مؤخراً قائلاً: "بعد سنوات قضيتها في جلب اليهود إلى إسرائيل من مناطق الحروب في اليمن وأفغانستان وسورية وأوكرانيا، قررت مساعدة الإسرائيليين على القيام بـالهجرة إلى الولايات المتحدة"، إذ "حان الوقت لتقديم بديل للحركة الصهيونية في حال استمرت الأوضاع في إسرائيل بالتدهور"، وأضاف قائلاً: "في ظل وجود حكومة كهذه في إسرائيل، ينبغي للحكومة الأميركية السماح بهجرة جميع الإسرائيليين الذين يمتلكون شركات أو يمارسون مهناً مطلوبة في الولايات المتحدة، مثل الأطباء والطيارين".

ويضيف جوزيف مسعد أن الحكومة الإسرائيلية، فرضت بين سنتَي 1948 و1961، قيوداً صارمة على هجرة اليهود الإسرائيليين، إذ اشترطت حصول  الراغبين في المغادرة على تأشيرة خروج، وهي التأشيرة التي كانت تُرفض غالباً. وفي أواخر سنة 2003، قدّرت الحكومة الإسرائيلية "أن أكثر من 750 ألف إسرائيلي يعيشون خارج البلاد بصفة دائمة، وتتركز أغلبيتهم في الولايات المتحدة وكندا". ويخلص الأكاديمي الفلسطيني إلى أن دلالة هذه الحركة الجديدة-التي ترفع شعار "مغادرة البلاد معاً"–تكمن "في كونها نتيجة مباشرة وفورية لتولي حكومة إسرائيلية جديدة السلطة مؤخراً، ذلك أن حالة الاستياء التي تنتاب الكثير من اليهود الإسرائيليين وأنصارهم الليبراليين في الخارج إزاء طبيعة حكومة نتنياهو، تعود في المقام الأول إلى القلق على مصير المجتمع الاستيطاني اليهودي-الذي يُفترض أنه "علماني وديمقراطي"-وهو يتحول إلى دولة دينية وعنصرية"[3].

الأرقام تتحدث عن نفسها
قدّرت دراسة نشرها "معهد سياسات الهجرة" في إسرائيل، في 19 آذار/مارس 2024، أن ما يقرب من مليون إسرائيلي يعيشون حالياً في الخارج، أي ما يعادل حوالي 10% من إجمالي السكان في إسرائيل. ورغم أن هذا التقدير يظل محل نقاش، فإنه يعكس اتجاهاً يتزايد منذ عدة عقود.

في الفترة ما بين سنتَي 2020 و2024، شهدت إسرائيل مغادرة مواطنين بأعداد تفوق أعداد القادمين إليها بموجب "قانون العودة" الذي يتيح لكل يهودي الحصول على الجنسية الإسرائيلية. وقد بلغ صافي الهجرة السلبي 145,900 خلال هذه الفترة. وتُشكل هذه الظاهرة المزدوجة "رصيداً سلبياً" للهجرة يثير قلق السلطات الحكومية، كما أنها تطرح تساؤلات جوهرية حول دولة تعتبر نفسها ملاذاً ليهود العالم أجمع.

في سنة 2023، غادر أكثر من 82,000 إسرائيلي البلاد. وقد اتخذ البعض هذا القرار في أعقاب هجمات حركة "حماس" في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، بينما كان آخرون قد قرروا المغادرة في الأشهر السابقة لذلك، في وقت كانت فيه خطة الإصلاح القضائي المثيرة للجدل-التي طرحتها حكومة بنيامين نتنياهو-تتسبب في انقسام حاد داخل البلاد[4].

إلى أين يتجه المغادرون؟

ليس من المستغرب أن تكون الولايات المتحدة هي الوجهة الأكثر تفضيلاً للمغادرين؛ إذ يقيم فيها ما يقرب من 60% من الإسرائيليين المقيمين في الخارج، أي حوالي 560 ألف شخص. وقد تشكلت مجتمعات نشطة، لا سيما في نيويورك ولوس أنجلوس وميامي ووادي السيليكون، حيث جذبتهم الفرص الاقتصادية والمناخ الاجتماعي الأكثر استقراراً. كذلك تستضيف أوروبا حوالي 30% من المغتربين الإسرائيليين، أي ما يقرب من 300 ألف فرد. ومن بين الدول الأكثر جذباً لهم: ألمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا وهولندا والبرتغال واليونان. فقد اجتذبت مدينة برلين، على وجه الخصوص، فئة شابة-غالباً من أصول روسية أو ذات توجهات علمانية-تجد في المدينة حياةً ثقافيةً نابضةً وتكلفةً للمعيشة أقل مقارنةً بإسرائيل. ومنذ بضعة أعوام ، برز اتجاهٌ لعودة أحفاد اليهود الأشكناز إلى بلدان أسلافهم، مثل ألمانيا وبولندا وبلغاريا والمجر. وتتيح السياسات المطبقة في هذه البلدان لليهود استعادة جنسية هؤلاء الأسلاف، ومن ثم الحصول على جواز سفر خاص بالاتحاد الأوروبي. بينما ينجح الآخرون عادةً في الحصول على تصريح إقامة بصفتهم طلاباً أو فنانين، أو حتى عن طريق أزواجهم.

وفضلاً عن الولايات المتحدة، والدول الأوروبية، تتوزع نسبة 10% على دول مختلفة في أميركا اللاتينية وآسيا وأستراليا، مع وجود تجمعات ملحوظة في كل من تورونتو وملبورن وبانكوك ومكسيكو سيتي[5].

ما هي دوافع المغادرة؟                                                                          

تتعدد دوافع الإسرائيليين المغادرين، ويعود ذلك في الأعوام الأخيرة إلى الإصلاح القضائي الذي تبنته حكومة بنيامين نتنياهو والسياسة القومية الدينية التي ينتهجها ائتلافه الحكومي، وإلى حرب لا تنتهي بل تزداد حدة تشنها إسرائيل على جبهات عدة، وكذلك  إلى ارتفاع تكاليف المعيشة، لا سيما فيما يتعلق بالسكن، وإلى نقص الفرص المهنية في بعض القطاعات وإلى انعدام الأمن.

بالنسبة لعالم السياسة إيلان غريلسامر، فإن الأسباب أكثر تعقيداً وبعضها يسبق أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر، إذ يقول لمجلة "شارلي إيبدو" الفرنسية: "شهد هذا العام [2025] حالات مغادرة تفوق أعداد القادمين، وهو أمر استثنائي. ويلعب السياق الاقتصادي دوراً كبيراً؛ فتكاليف المعيشة باهظة للغاية، والرواتب لا تكفي الطبقة الوسطى، كما أن الإيجارات تفوق القدرة المالية للكثيرين". وأضاف  هناك من بين المغادرين "أولئك الذين يرغبون في الهروب من الخدمة العسكرية الطويلة، إذ لا تستهويهم تجربة الحرب في غزة أو على الجبهة الشمالية"، كما  تشمل قائمة المهاجرين أيضاً "فنانين وأكاديميين وشريحة واسعة من اليسار لم تعد تطيق هذا الائتلاف المكون من المتدينين المتشددين والمتعصبين من اليمين المتطرف"[6].

تقول يائيل (42 عاماً)، المقيمة في برشلونة منذ خمسة أعوام : "لقد رحلت لأنني شعرت بأن أطفالي سيحظون بمستقبل أكثر استقراراً في مكان آخر؛ إسرائيل هي وطني، لكنني اليوم أشعر بأمان أكبر هنا". بينما يقول مردخاي (42 عاماً)، وهو ناشط يساري: "لقد استسلمنا؛ فقدنا الأمل في تحويل هذه الحكومة إلى كيان قادر على صنع السلام... ثم جاء يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، فتحوّلت مسؤوليتي تجاه المنطقة إلى مسؤولية تجاه أطفالي؛ فأنا لا أريد أن تمتلئ عقولهم بصور المعاناة التي تطارد عقلي أنا". ويضيف قائلاً: "لم أعد أشعر بالأمان، فقد كان المناخ العام يوحي بأنه أصبح من السهل جداً استهداف المتظاهرين اليساريين أمثالنا، حتى وإن كانوا مواطنين إسرائيليين". أما نوغا، وهي ناشطة سلام إسرائيلية عملت مع منظمة "بتسيلم" الحقوقية، قبل أن تغادر إسرائيل في أيلول/سبتمبر 2024، فتقول: "لقد أصبحنا أقلية صغيرة جداً لا تملك القدرة على تغيير الأوضاع في إسرائيل". وعلى حد تعبيرها، فقد "فقدت الأمل" في ظل المعاناة التي يعيشها الفلسطينيون: "ففي محيطي، لم يكن أحد يشعر بالألم إزاء عمليات القصف في غزة؛ وعندما كنت أتطرق للأمر، كانوا يجدون وسيلة لتبريرها. كيف يمكن للمرء أن يرى مأساة كهذه تقع أمام عينيه ويتجاهلها؟ لم أعد أستطيع تحمل ذلك".

وتعلق فريدريك شيلو، المؤرخة والمتخصصة في الشأن الإسرائيلي قائلة: "إنها ظاهرة غير مسبوقة من حيث الحجم... لفترة طويلة، لم تكن مسألة رحيل الإسرائيليين خاضعة للدراسة، وكانت السلطات تتحفظ على الحديث عنها. ففكرة أن تسمح إسرائيل-التي يُفترض أنها ملاذ ليهود العالم أجمع-لأبنائها بالمغادرة، كانت تُعد من المحظورات المطلقة". وتضيف قائلة: "في سنة 1976، وخلال مؤتمر صحافي، سخر رئيس الوزراء يتسحاق رابين من الإسرائيليين الذين يغادرون البلاد، واصفاً إياهم بـ 'الجبناء‘". واليوم، أصبحت هذه الظاهرة تشكل توجهاً عميقاً، مقدّرة أنه "على الرغم من أن هذا الشعور قد تفاقم بسبب أحداث ما بعد 7  تشرين الأول/أكتوبر، فإن الرغبة في الرحيل كانت قد تولدت لدى الكثيرين منهم قبل ذلك بأعوام عديدة". وتربط هذه المؤرخة هذه الظاهرة بتبني حكومة بنيامين نتنياهو لما يُوصف بـ "السياسة غير الليبرالية"[7].

مخاطر هجرة الأدمغة

طرأ تغيير جذري على سمات الإسرائيليين الذين يغادرون البلاد. إذ باتت فئة الحاصلين على أعلى المؤهلات العلمية، والعاملين في قطاع التكنولوجيا المتقدمة (الهايتك) وأصحاب الدخل المرتفع، هي التي تغادر بأعداد كبيرة، مما يشكل هجرة للأدمغة لم يسبق لها مثيل وذات تداعيات استراتيجية، الأمر الذي يثير قلق القادة الإسرائيليين.

فخلال خمسة أعوام، تضاعف عدد المغادرين من هذه الفئة تقريباً، إذ غادر البلاد عشرات الآلاف من حملة الدكتوراه والمهندسين والكوادر العاملة في قطاع التكنولوجيا الفائقة (الهايتك). ووفقاً لبيانات سلطة الضرائب الإسرائيلية ودراسة أجرتها جامعة تل أبيب، فإن هذه الظاهرة تشمل أيضاً هجرة الأشخاص الأكثر ثراءً، إذ يتقاضى المهاجرون اليوم دخلاً يزيد في المتوسط ​​بنسبة 50% عن بقية السكان.

وتتمثل النتيجة المباشرة لذلك في احتمال وصول الخسائر الضريبية إلى 3.5 مليار دولار سنوياً. غير أن الخطر يكمن بصورة أساسية في طبيعة التأثير الهيكلي؛ ففي بلد تساهم فيه أغنى 20% من الأسر بدفع 92% من إجمالي ضريبة الدخل، يهدد رحيل هذه الكوادر الأساسية صلب الاقتصاد ونظام الصحة العامة[8].

يشكّل قطاع التكنولوجيا الفائقة (الهايتك) ما يقرب من خُمس الناتج المحلي الإجمالي، ويمثل نحو 60% من الصادرات، وساهم في تحقيق قرابة نصف معدل النمو في البلاد خلال سنة  2025، وهو يضم نحو 400 ألف موظف، ويوفر قرابة ربع الإيرادات الضريبية للبلاد، ويضطلع بدور حيوي في تطوير القدرات العسكرية وأنظمة الدفاع. ويحذر الخبير الاقتصادي أليكس كومان قائلاً: "على المدى القصير، سيصمد الاقتصاد الإسرائيلي، لكن العواقب ستكون كارثية على المدى الطويل"، معتبراً ظاهرة هجرة الأدمغة "تهديداً استراتيجياً"، ذلك أن المتخصصين الذين يغادرون إسرائيل "غالباً ما يكونون من بين الأكثر كفاءة وتأهيلاً، ويلعبون دوراً جوهرياً في القطاعات المتطورة، ولا سيما تلك المتعلقة بأنظمة الحماية من الصواريخ"[9].

كان مسح نشره مكتب الإحصاء المركزي، في كانون الأول/ديسمبر 2025، قد أظهر أن 12% من الإسرائيليين الحاصلين على الدكتوراه يعيشون في الخارج سنة 2024. ووفقاً للبيانات التي جمعها هذا المكتب، بالتعاون مع المجلس الوطني للبحث والتطوير، كان نحو 54,778 شخصاً ممن تخرجوا بين سنتَي 1990 و2018 - أي ما يعادل 6.2% من إجمالي خريجي الجامعات والكليات الإسرائيلية-يعيشون في الخارج بحلول نهاية العام، يتوزعون على أكثر من 25% من الحاصلين على الدكتوراه في الرياضيات، وما يقرب من 22% من الحاصلين على الدكتوراه في علوم الحاسوب ونحو 8% من خريجي كليات الطب. وتعليقاً على نتائج هذا المسح، صرّح مجلس مديري الجامعات البحثية في بيان له بأن هذه النتائج تشكل "ناقوس خطر وتحذيراً جدياً لصناع القرار"، وأضاف المجلس: "يستثمر الوسط الأكاديمي الإسرائيلي موارد كبيرة في إعداد ألمع العقول، غير أن الدولة تفقد هذه الكفاءات في لحظة حاسمة، ما يمثل ضربة قوية لمحركات النمو في الاقتصاد الإسرائيلي، وللأمن، وقطاع التكنولوجيا المتقدمة والصمود الوطني"[10].

خاتمة

كانت نتائج استطلاع للرأي نشرتها صحيفة "هآرتس" في 12 أيار/مايو 2025، قد أظهرت أن 40% من الإسرائيليين المستطلعين يفكرون في مغادرة بلدهم، وأن 81% من هؤلاء هم من الشباب والعائلات التي تتراوح أعمار أفرادها بين 25 و44 عاماً[11].

وبغية مواجهة هذه الظاهرة وكبحها، يجري العمل على مبادرات حكومية لتعزيز الروابط مع الإسرائيليين المقيمين في الخارج. وتدرس وزارة شؤون الشتات استحداث وضع خاص تحت مسمى "إسرائيلي مغترب"، يهدف إلى تسهيل العودة أو الاستثمار أو المشاركة في الحياة المدنية، حتى من الخارج. وصرح مسؤول في الوزارة-شريطة عدم الكشف عن هويته-قائلاً: "علينا أن نتوقف عن النظر إلى الإسرائيليين في الخارج باعتبارهم خونة أو أنانيين؛ فهم يمثلون ثروة وليس تهديداً"[12].

من ناحية أخرى، بدأت الحكومة الإسرائيلية في التحرك من خلال طرح مزايا ضريبية تهدف إلى تشجيع عودة المهنيين المغتربين الأكثر كفاءة وتأهيلاً، وجذب المستثمرين.

فهل ستكون المبادرات الحكومية والحوافز المالية كافية للحد من هذه الظاهرة، طالما بقيت إسرائيل في حالة حرب مستمرة على عدة جبهات، وتواصل استعمارها للأرض الفلسطينية وحرمانها الشعب الفلسطيني من حقوقه الوطنية، وطالما استمرت في السير على طريق التحوّل إلى دولة ثيوقراطية، وظل الشعور بالأمن منعدما فيها وتكاليف المعيشة مرتفعة؟

أخبار مماثلة