29 ربيع الثاني 1448

الموافق

الإثنين 12-10-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "خفّة العقول"!
"خفّة العقول"!
القاضي م جمال الحلو
2026-10-12
"خفّة العقول"!

هذه الحادثة رواها لي الكابتن الطيّار غسّان أبو غزالة، قائلًا:

«لقد وقعت هذه الحادثة فعلًا مع شقيقي الكابتن الطيّار عادل، رحمه الله».

ثم نقل إليّ تفاصيلها على النحو الآتي:

في إحدى الرحلات المتوجّهة إلى لندن، قرّرت مسافرة شقراء، تحمل تذكرة في الدرجة السياحيّة، أن تنتقل إلى مقاعد الدرجة الأولى. راحت تبحث عن مقعد مريح، حتى استقرّت في أحد المقاعد، ومدّت ساقيها، ثم استسلمت لنوم هانئ، وكأنّ المكان أصبح ملكًا لها.

وبعد دقائق، حضر أحد مضيفي الطيران، وطلب إليها، بكلّ أدب، أن تعود إلى مقعدها المخصّص في الدرجة السياحيّة. غير أنّها رفضت، قائلةً بثقة واعتداد:

«أنا شقراء وجميلة، ومسافرة إلى لندن، ولن أتحرّك من هذا الكرسيّ!».

توجّه المضيف إلى قائد الطائرة ومساعده، وأخبرهما بما حدث. فتقدّم مساعد القائد نحو المسافرة، وخاطبها بمنتهى اللطف، موضّحًا أنّ تذكرتها لا تخوّلها الجلوس في الدرجة الأولى، وطالبًا منها العودة إلى مقعدها المخصّص. لكنّها ردّت بالعبارة نفسها، وكأنّها تحفظها عن ظهر قلب:

«أنا شقراء وجميلة، ومسافرة إلى لندن، ولن أتزحزح عن هذا الكرسيّ!».

عاد مساعد القائد إلى القائد، وأطلعه على ما جرى. عندها قال القائد مبتسمًا:

«دعني أتولّى الأمر بنفسي. راقب ما سيحدث؛ فأنا متزوّج من شقراء، وسأجد حلًّا!».

ثم اقترب من المسافرة، وانحنى نحوها، وهمس في أذنها بكلمات قليلة.

وما إن سمعت ما قاله حتى انتفضت من مقعدها، ونظرت إليه بدهشة، ثم قالت:

«حقًّا؟! إذًا سأغادر مقعدي فورًا، وأعود إلى مكاني المخصّص!».

ساد الذهول بين أفراد الطاقم والركّاب؛ فالمسافرة التي رفضت الامتثال لطلب المضيف ومساعد القائد، وأصرّت على موقفها بعناد، غيّرت رأيها في لحظات، من دون جدال أو اعتراض.

اقترب المضيف من القائد، وسأله مستغربًا:

«ماذا قلت لها حتى اقتنعت بهذه السرعة؟».

ابتسم القائد وأجابه:

«أخبرتها أنّ مقاعد الدرجة الأولى لا تتّجه إلى لندن!».

هنا تكمن المفارقة: أرادت المسافرة الوصول إلى لندن، لكنها تمسّكت بمقعدٍ ظنّت أنّه يحقّق لها ما تريد، من دون أن تتحقّق من حقيقة ما قيل لها. وحين أوهمها القائد بأنّ اختيارها سيحول دون بلوغ وجهتها، تخلّت عن عنادها فورًا.

ولئن كانت هذه الحكاية تقوم على دعابة عابرة، فإنّ دلالتها تتجاوز حدود الطائرة؛ فكم من إنسانٍ يتمسّك برأيه لا لأنّه صائب، بل لأنّه عاجز عن مراجعة نفسه! وكم من قرارٍ يُتّخذ بثقة مفرطة، فيما يفتقر إلى أبسط مقوّمات العقل والحكمة!

إنّ المشكلة ليست دائمًا في قلّة المعلومات، بل قد تكون في غياب الوعي الذي يُحسن قراءتها. فالثقة بالنفس لا تعني بالضرورة صواب الرأي، والإصرار لا يحوّل الخطأ إلى حقيقة، كما أنّ رفع الصوت لا يغني عن رجاحة العقل.

والأخطر من ذلك أن يتحوّل الوهم إلى قناعة، والقناعة إلى عناد، والعناد إلى قرارٍ يدفع الآخرون ثمنه. فالعاقل لا يُقاس بمدى تمسّكه بموقفه، بل بقدرته على مراجعة أفكاره، والاعتراف بخطئه، والتمييز بين ما يرغب فيه وما تسمح به الحقائق.

وهذه العبرة لا تقف عند حدود حكاية طريفة على متن طائرة، بل تمتدّ إلى ميادين الحياة، ولا سيّما عالم السياسة، حيث قد يتوهّم بعض المسؤولين أنّ امتلاك السلطة يمنحهم حقّ احتكار الحقيقة، وأنّ الإصرار على القرار دليل قوّة، حتى لو أثبتت الوقائع أنّهم يسيرون في الاتجاه الخاطئ.

ومن هنا يحقّ لنا أن نتساءل:

كم مسؤولًا في عالم السياسة يحتاج إلى شيءٍ من الكياسة؟

لعلّ الجواب عند أولي الألباب؛ أولئك الذين يدركون أنّ القيادة ليست عنادًا، وأنّ الحكمة ليست ضعفًا، وأنّ الاعتراف بالخطأ ليس انتقاصًا من الهيبة، بل هو أوّل الطريق إلى الصواب.

فما أكثر الذين يعرفون إلى أين يريدون الوصول، وما أقلّ الذين يتأكّدون من أنّهم يسلكون الطريق الصحيح!

جنوبيات
أخبار مماثلة