قال عزمي بشارة، في أولى ندوات وزارة الثقافة القطرية في الدوحة: "آن للعرب أن ينتجوا المعرفة بدل الاكتفاء بنقد الفكر الغربي. أردنا من تأسيس المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بمعايير حقيقية أن يحظى بالاحترام من خلال مشاريعه البحثية ومؤثراته ودورياته ليصبح واحداً من أهم مراكز البحث في المنطقة وليس فقط في العالم العربي. أصبحنا أكثر جرأة وشجاعة للتقدّم بخطوات واثقة مع مراجعة نقدية لإنشاء مشاريع ثقافية ضخمة". وفي تطرّقه إلى أهمية دور الذكاء الاصطناعي وضرورة بناء مشاريع في إطار التعامل معه مقابل تقدّم غربي كبير، قال: "المهمة الأساسية ليست منافسة الغرب على المستوى العالمي، الهاجس الآني الذي يخص المجتمع العربي أن الذكاء الاصطناعي أداة تحتاج إلى محتوى يجب العمل على توفيره حتى يصبح لهذه الأداة أهمية وننجح في توفير الأمن المعرفي للباحثين فيه. الشرط الأساسي للإنتاج الفكري، إلى جانب الكفاءة والموهبة والاجتهاد، يكمن في أمرين: النزاهة الأخلاقية والنزاهة العقلية، وهل يستحق الإنسان اسم مفكّر إذا لم يكن لديه موقف من الظلم"؟
قال وزير الأمن الإسرائيلي الإرهابي بن غفير "عزمي بشارة تحوّل إلى شخص يوجّه الصواريخ نحو إسرائيل وفرّ من القانون الإسرائيلي". والعضو السابق في الكنيست ورئيس محكمة الليكود ميخائيل كلاينر كتب تقريراً في صحيفة معاريف تحت عنوان: "المعركة على أميركا. هكذا سنفشل مشروع عزل دولة إسرائيل الذي يقوده عضو الكنيست السابق عزمي بشارة، العدو الأكثر خطورة من أردوغان وخامنئي معاً"... "هو أخطر على إسرائيل من تركيا وإيران معاً. له تأثير كبير في المزاج العام الأميركي وتنامي أصوات ترى إسرائيل عبئاً على الولايات المتحدة". وأضاف: "من رسّخ العلاقات القائمة على التعاون الاستراتيجي على قاعدة تخدم إسرائيل هم الجمهوريون. ولكن القناعة تسللت بأن الأسس التي بدت عميقة وصلبة بدأت تتآكل. القاعدة التي اعتبرت غير قابلة للزعزعة أصبحت تقف على رجل واحدة، سواء في الحزب الجمهوري بين الشباب أو في الحزب الديمقراطي. لم تعد إسرائيل موضوعاً لتأييد غير قابل للنقاش. كانت هناك حالة تراخٍ إسرائيلية لا تغتفر على مرّ السنوات الماضية. التدهور ليس مصادفة. نحن أمام منظومة ذات تنظيم وتخطيط لعدو يتمتع بالعزيمة والموهبة والتركيز، ولديه نفس طويل يعمل بدهاء وصبر لتقويض ما يراه الدعامة التي لا بديل لها لدولة إسرائيل. لهذا العدو اسم ووجه موجود في قطر ولا يمكن عدم رؤية بصمات العقل المدبّر والمخطّط والموجّه للجهد القطري، عزمي بشارة". "إنها إمبراطورية الشر. ويجب تشخيص المرض بشكل صحيح".
عزمي بشارة مواطن عربي، لا يملك خلايا نائمة هنا وهناك وأذرعاً متحرّكة على ساحات ومساحات شاسعة في المنطقة، تعمّم الفوضى، أو تمارس الإرهاب كما يقولون
هستيريا، جنون، انفعال في إسرائيل ضد شخص. لماذا؟ لأنه دعا إلى اعتماد العقل والنزاهة الأخلاقية والنزاهة العقلية في مسيرة الإنتاج الفكري؟ وهذا بطبيعة الحال يتناقض مع الحالة الإسرائيلية. شخص يعتبر أخطر من إيران وتركيا معاً... كيف؟ من يصدّق؟ هو لا يملك أسلحة نووية ومصانع أسلحة متطورة، وكيماوية، ولا مسيّرات وقذائف مرعبة وطائرات عملاقة تخترق التحصينات ولا تقهر، ولا يخوض حرب تسلّح، ولا يحتل أرضاً، ولا ينادي بمشروع توسّعي استعماري يبنى على أنقاض أراضي الآخرين ودماء أهلها. ومع ذلك، يعتبرون أنه يطلق الصواريخ على إسرائيل. هذا اعتراف بالفشل كما قال كلاينر. رغم كل الآلة العسكرية التي تملكها أميركا وإسرائيل معاً. سلاح الكلمة. فعل الكلمة. ونشر الفكر بنزاهة، والإنتاج والتفاعل مع الآخر ومحاورته والتركيز على الوقائع والحقائق أقوى وأمضى من كل الأسلحة التي استخدموها ويستخدمونها باعترافهم.
عزمي بشارة مواطن عربي، لا يملك خلايا نائمة هنا وهناك وأذرعاً متحرّكة على ساحات ومساحات شاسعة في المنطقة، تعمّم الفوضى، أو تمارس الإرهاب كما يقولون. خلاياه واعية حقيقة الصراع، مستنداتها العقل والبحث والعمل المؤسّساتي. هي متحركة علمياً فكرياً ثقافياً لغوياً أدبياً بحثياً في حال استنفار دائم لمتابعة كل ما يخدم قضايا العدالة والإنسانية والقانون والحق والتطور والعلم ومواكبة سرعة التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي وتأثيره في كل مسارات حياتنا وخياراتنا. مصانعه كتب، أصوات، صور، وثائق، معلومات، علوم، معاجم، دراسات، أفكار، أبحاث... وأهدافه صناعة الرأي العام، تحريكه، مواكبته، والاستفادة منه في تثبيت حقيقة الصراع والدفاع عن الهوية والانتماء والأرض.
ماذا يمنع الدول الأخرى غير قطر من القيام بما تقوم به؟ ماذا لو أنفق العرب القليل مما لديهم على هذا الخيار ومما ينفقونه على حروبهم وتقاتلهم على أراض عربية؟
ليس عزمي بشارة رئيس دولة كبرى تملك قوة عسكرية أمنية مخابراتية دبلوماسية سياسية تهدّد أمن ومستقبل ومصير دول أخرى وخصوصاً إسرائيل وقوتها وإمكاناتها التكنولوجية والدعم الأميركي الغربي وبعض العربي لها. ليس عضواً في الكونغرس أو رئيس بلدية في نيويورك أو غيرها في أميركا أو سيكون عمدة برلين المقبل. نعم هو ساهم في "معركة الوعي" و"بقاء الذاكرة حية". ولكنه ليس المحرّك والمسؤول عن التحرّكات الطلابية في الجامعات الأميركية، والتحولات البريطانية تجاه إسرائيل، ومقاطعة منتجات المستوطنات، والأزمة بين دولة وعدت ببلفور، فقامت إسرائيل وثمة خلاف بينهما اليوم. ليس مسؤولاً عن مواقف حكومات إسبانيا وأيرلندا واعتراف فرنسا بدولة فلسطين، وعن خروج وفود 77 دولة من قاعة الأمم المتحدة قاطعت كلمة نتنياهو. هو ليس مسؤولاً عن حركة الفنانين العالميين وهم يجمعون ملايين الدولارات من حفلاتهم ويقدمونها مساعدات للشعب الفلسطيني وصوت واحد يظلّل الحفلات: "فلسطين حرّة"، وعلم واحد يرفع "علم فلسطين". ليس مسؤولاً عن قرارات الحرب ضد إيران ولبنان والإبادة في غزّة ومنح جائزة نوبل للسلام قبل أيام لقاضية أكدت هذا، ولا عن الحملة التي ترفض الدعوة إلى احتلال وضم أجزاء من لبنان وسورية والسعودية والأردن ومصر والعراق بناء على "وعود إلهية". وليس مسؤولاً عن السجالات والانتقادات الحادة ومشكلة ترامب الجادّة مع بعض الإعلام الأميركي، وصولاً إلى منع دخول ممثلي مؤسّسات إلى البيت الأبيض، ونقض المحكمة المختصة القرار. لقد ضاق العالم بممارسات إسرائيل. لم يعد أحد قادراً على تحمّل ممارسات جيشها ووزرائها وطريقة تعاملهم مع الفلسطينيين. هذا هو "التشخيص الصحيح للمرض" الذي دعا إليه كلاينر واعتبره خطوة ضرورية للعلاج.
إذا كان شخص واحد قد فعل هذا كله، فماذا لو تحرّك أفراد وجماعات، وثمّة كثر في مجتمعاتنا لديهم الإرادة والقناعة، وسلكوا درب "النزاهة الأخلاقية والفكرية"
عزمي بشارة ذكي، قادر، مؤثر. اختار طريق الكلمة والفكر والمتابعة الجدية. استند إلى القناعة والإرادة والعزيمة والتجربة والخبرة العملية. توفرت له الإمكانات، فعرف كيف يستفيد منها لمعالجة المرض ومواجهة المسؤول عنه وعن الكوارث، فاعتبر كلاينر أنه تمكن من حفر شبكة أنفاق إلى الرأي العام الأميركي والأوروبي أخطر بكثير على إسرائيل من "أنفاق حماس"! ويعتبر هذا التوصيف والتصنيف تهديداً مباشراً لعزمي بشارة، حماه الله. وإسرائيل هي إسرائيل، فعندما يصل موقفها إلى حد تقدير "خطر" شخص إلى المستوى الذي عبّر عنه كلاينر وغيره من المسؤولين الإسرائيليين، لأنه بات يملك هذه الصدقية والرصيد في تعقّبها ومحاصرتها وفضحها وتعبئة الرأي العام والتأثير في طريقة تفكيره فهي لا تتورّع عن القيام بأي عمل، فكيف وهي تتهم قطر بالوقوف وراء عزمي بشارة ومؤسّساته، وتعتبرها دولة تشكل خطراً كبيراً عليها، رغم ما قامت به من أدوار ووساطات، وساهمت في الوصول إلى اتفاقات وحلول لمشكلات كثيرة بشراكة مع أميركا. المكابرة الإسرائيلية، رغم اعتراف نتنياهو ورئيس المؤتمر اليهودي العالمي بأن "خسارة معركة الوعي" تعود إلى مزيد من العنصرية والتطرّف. ويختم كلاينر هجومه على عزمي بشارة بالقول: "... حان وقت الحرب بلا هوادة على الرأي العام. حان الوقت لتجنيد المنظمات اليهودية وأصدقائنا الإنجيليين وخبراء شبكات التواصل الاجتماعي في الحرب المصيرية على الرأي العام التي هي الآن ليست أقل من معركة وجودنا".
إذا كان شخص واحد قد فعل هذا كله، فماذا لو تحرّك أفراد وجماعات، وثمّة كثر في مجتمعاتنا لديهم الإرادة والقناعة، وسلكوا درب "النزاهة الأخلاقية والفكرية"، واعتمدوا عمل المؤسّسات واحتكموا إلى العقل، وتوفّرت لهم الإمكانات المطلوبة؟ ماذا يمنع الدول الأخرى غير قطر من القيام بما تقوم به؟ ماذا لو أنفق العرب القليل مما لديهم على هذا الخيار ومما ينفقونه على حروبهم وتقاتلهم على أراض عربية؟ ماذا لو سلكوا طريق التعقّل وحسن التدبير والتقدير، والمراجعة النقدية والاستفادة من دروس الماضي وعبره وتجاربه، والإقلاع عن التهوّر والتسرّع والغرور والمكابرة والادعاء والاستقواء والدخول في حروب تدمّر ما تبقّى من إمكانات لديها، كان يمكن استخدامها في تجارب تتكامل مع تجربة عزمي بشارة ودعم قطر له؟ ألا يكون ذلك أفضل وأهم وأضمن من الاتكال على الآخر والبقاء تحت رحمة ابتزازه وشروطه، واستجداء الحمايات وتوسّل شراء الأسلحة من جهات توجّه يومياً الإهانات لهم ولا تلتزم بوعود؟ سلاح الكلمة والفكر والبحث والعلم والمعرفة والوضوح في الرؤية لا يكلف شيئاً قياساً على كلفة الحروب والأوهام والخيبات المتتالية التي نراها اليوم مع كل التحالفات والمعاهدات المعلنة "والقرارات الجامعة" من جامعة لم تعد فعلياً موجودة للأسف، بسبب السياسات المذكورة والمعتمدة.
في الختام تحية وكلمة حق: "شكراً قطر، شكراً عزمي".