1 جمادى الأولى 1448

الموافق

الثلاثاء 13-10-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "وصايا الزواج"!
"وصايا الزواج"!
القاضي م جمال الحلو
2026-10-13
"وصايا الزواج"!

يُروى في حكايا الزمن وخفايا المحن حكايةٌ بطلُها شيخٌ يُدعى سالم.
 ذهب سالم يومًا ليخطب لابنه، وكان قد اعتاد تلقين الموتى، فاستعار من عالم الآخرة بعض مفرداته، وقرّر أن يلقّن ابنه وصايا الزواج قبل أن يدخل هذا العالم الذي لا رجعة منه إلى حياة العزوبية!

جلس الشيخ أمام ابنه، ونظر إليه نظرةَ مَن خبر الحياة، وعرف تقلّبات الدهر، ثم قال بنبرةٍ يختلط فيها الجدّ بالهزل:

«اعلم يا بني، أنّك الآن في أوّل ساعة من ساعات الزواج، وآخر ساعة من ساعات العزوبية، وأنّك توشك أن تنتقل من عالم الحرية إلى عالم المسؤولية والالتزامات الأسرية!»

ثم استطرد قائلًا:

«يا بني، لا تخف، ولا تقلق إذا سألتك زوجتك عن راتبك، وأرقام هواتفك، وطلعاتك ونزلاتك، وأسباب تأخّرك، وأين كنت، ومع مَن جلست، ولماذا تأخّرت، ولماذا لم تتّصل!

أسأل الله لك الثبات عند السؤال، وحُسن الإجابة حين يحين وقت الحساب!»

وتابع الشيخ سالم وصاياه، وكأنّه يفتح أمام ابنه أبواب العوالم واحدًا تلو الآخر:

«واعلم يا بني أنّ أهون العوالم شأنًا هو عالم الخطبة، أمّا بعد الزواج، فثمّة عوالم كثيرة، لكلّ عالم منها أحكامه، ولكلّ حكم تبعاته!

واعلم، كما علم الذين من قبلك، أنّ المكياج حقّ، والصرف حقّ، والعزائم حقّ، والتسوّق حقّ، والسَّبّ والنَّقّ حقّ، والتكسير حقّ، ووجع الرأس حقّ، والضغط والسكري حقّ، والإفلاس حقّ!

واعلم أنّ ما سيصيبك يا بني قد أصابنا من قبلك، وأنّنا نحن السابقون، وأنتم اللاحقون، فكن خير خلف لخير سلف، ولا تنسَ أنّ لكلّ مرحلة من مراحل العمر أعباءها، ولكلّ نعمة ضريبتها!»

ثم ختم الشيخ سالم موعظته بعبارة هزّت أركان قلب ابنه، وقال له:

«دعواتي لك يا بني بحُسن الخاتمة!»

وما إن فرغ الأب من وصاياه، حتى شحب وجه الابن، واتّسعت عيناه، واستوعب فجأة أنّه لم يكن مقبلًا على زواج فحسب، بل على سلسلة طويلة من الالتزامات والمطالبات التي لا تنتهي!

استأذن أباه على عجل، ثم انطلق هاربًا، واختفى عن الأنظار، وإلى يومنا هذا، لم يعثروا له على أثر!

وهكذا انتهت خطبة الشيخ سالم نهاية لم تكن في الحسبان؛ فالأب الذي أراد أن يهيّئ ابنه للحياة الزوجية، كاد أن يبدّد مشروع الزواج كلّه قبل أن يبدأ!

والعبرة؟

إنّ الزواج ليس مقبرة للحرية، ولا سجنًا للعمر، بل هو شراكة تقوم على المودّة والرحمة، والتفاهم والاحترام، وتقاسم الأعباء قبل اقتسام الأفراح. وما أفسد الحياة الزوجية شيء مثل المبالغة في تصويرها معركة بين طرفين، وما أصلحها شيء مثل أن يفهم كلّ طرف أنّه شريك لا خصم، وسند لا عبء.

فيا أيّها الآباء، لا تلقّنوا أبناءكم مخاوفكم من الحياة، بل علّموهم كيف يعيشونها بحكمة. ويا أيّها المقبلون على الزواج، لا تهربوا من المسؤولية كما هرب ابن الشيخ سالم؛ فبعض الوصايا لا تحتاج إلى الهروب، بل إلى ابتسامة عريضة، وقلب رحب، وشريك يعرف أنّ أجمل ما في الزواج ليس ما نأخذه، بل ما نبنيه معًا.

أمّا ابن الشيخ سالم، فإن عثرتم عليه يومًا، فأخبروه أنّ أباه كان يمزح… أو لعلّه كان يقول الحقيقة، ولكن بأسلوب لا يصلح للمقبلين على الزواج!

والله أعلم بحقيقة اختفائه!

جنوبيات
أخبار مماثلة