1 جمادى الأولى 1448

الموافق

الأربعاء 14-10-2026

علم و خبر 26

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم العلاقات السعودية الفلسطينية.. مسيرة تضامن وحقوق
العلاقات السعودية الفلسطينية.. مسيرة تضامن وحقوق
د. عبد الرحيم جاموس
2026-10-13
العلاقات السعودية الفلسطينية.. مسيرة تضامن وحقوق

ليست العلاقات السعودية الفلسطينية نتاج ظرف سياسي عابر، ولا استجابة لمتغيرات إقليمية مؤقتة، بل هي امتداد تاريخي وإنساني متجذر في الوجدان العربي، تأسس على روابط الأخوة والمصير المشترك، وعلى الإيمان بحق الشعب الفلسطيني في أرضه وحريته واستقلاله. فمنذ بدايات القضية الفلسطينية، وقفت المملكة العربية السعودية إلى جانب الحقوق الوطنية الفلسطينية، ورفضت ما تعرض له الشعب الفلسطيني من اقتلاع وتهجير، وما فرض عليه من احتلال ومصادرة للأرض والحقوق.

وقد تعزز هذا الموقف مع نكبة عام 1948، ثم احتلال الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة عام 1967، حين اتضحت أبعاد الصراع بوصفه قضية شعب يناضل من أجل استعادة وطنه وتقرير مصيره، وليس مجرد نزاع حدودي يمكن تسويته بتفاهمات تتجاوز حقوق أصحابه. ومن هنا، ظل الموقف السعودي يؤكد مركزية القضية الفلسطينية، وضرورة التوصل إلى سلام عادل ودائم لا يقوم على تكريس الاحتلال، بل على إنهائه وتحقيق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

ولم يكن التضامن السعودي مقتصراً على المواقف السياسية والدبلوماسية، بل اتخذ بعداً شعبياً وإنسانياً واسعاً، تجسد في حملات التبرع ومبادرات الإغاثة ومؤسسات الدعم التي أسهمت في تخفيف معاناة الفلسطينيين، وتعزيز صمودهم في مواجهة المحن المتعاقبة. وقد مثّلت اللجنة الشعبية لمساعدة الشعب الفلسطيني إحدى المحطات البارزة في هذا المسار، بما اضطلعت به من دور في تنظيم العمل الإنساني وجمع التبرعات وتوجيه المساعدات إلى مستحقيها.

ومن واقع تجربتي الشخصية في إدارة مكاتب اللجنة الشعبية لمساعدة الشعب الفلسطيني في المملكة العربية السعودية على مدى عقود، أستطيع أن أشهد على عمق هذا التضامن وأصالته؛ فقد لمست عن قرب ما أبداه المواطنون السعوديون من مشاعر أخوية صادقة، وما قدموه من تبرعات ومساهمات سخية لمساندة أشقائهم الفلسطينيين. ولم تكن تلك المساهمات مجرد مساعدات مادية، بل كانت تعبيراً عن موقف أخلاقي وإنساني ثابت، يؤكد أن فلسطين حاضرة في ضمير الشعب السعودي، وأن نصرة شعبها مسؤولية تتجاوز حدود السياسة إلى معاني الأخوة والوفاء والتكافل.

وفي هذا السياق، تبرز تجربة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، الذي ترأس اللجنة الشعبية لمساعدة الشعب الفلسطيني حين كان أميراً لمنطقة الرياض، بما يعكس امتداد الاهتمام السعودي بالقضية الفلسطينية من العمل الإنساني المباشر إلى الموقف السياسي والدبلوماسي. وقد أسهم هذا النهج في ترسيخ ثقافة التضامن المنظم، وجعل مساعدة الفلسطينيين جزءاً من مسؤولية عربية وإنسانية مستمرة.

وعلى الصعيد السياسي، جاءت مبادرة السلام العربية التي طرحها الملك عبد الله بن عبد العزيز عام 2002، حين كان ولياً للعهد، وأقرتها القمة العربية في بيروت، لتشكل محطة مفصلية في الرؤية السعودية والعربية للتسوية. فقد ربطت المبادرة إقامة علاقات طبيعية وتحقيق السلام الشامل بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية المحتلة عام 1967، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، والتوصل إلى حل عادل ومتفق عليه لقضية اللاجئين الفلسطينيين وفق قرارات الشرعية الدولية.

وتكمن أهمية هذه المبادرة في أنها لم تطرح السلام بديلاً من الحقوق، ولم تفصل الاستقرار الإقليمي عن إنهاء الاحتلال، بل أكدت أن السلام الحقيقي لا يتحقق بالمماطلة أو بتطبيع العلاقات قبل معالجة جذور الصراع، وإنما بتسوية عادلة تحفظ الحقوق الوطنية الفلسطينية وتضع حداً للاحتلال. ولهذا ظلت المبادرة مرجعية سياسية عربية مهمة، رغم ما شهدته المنطقة من تحولات وما واجهته مسارات التسوية من تعثر وتراجع.

وفي السنوات الأخيرة، تواصلت الجهود السعودية لدعم حل الدولتين، وتعزيز الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية، بالتعاون مع شركاء إقليميين ودوليين. وفي مقدمة هذه الجهود المؤتمر الدولي رفيع المستوى الذي عُقد في نيويورك عام 2025 برئاسة مشتركة سعودية فرنسية، وما ارتبط به من تحركات سياسية ودبلوماسية هدفت إلى إعادة الاعتبار لحل الدولتين باعتباره السبيل السياسي لإنهاء الصراع. وتكتسب هذه التحركات أهميتها من ضرورة الانتقال من إعلان المبادئ إلى إجراءات عملية توقف الاستيطان، وتحمي الوجود الفلسطيني، وتفتح أفقاً حقيقياً لإنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة.

أما في قطاع غزة، فقد كشفت الحرب والدمار الواسع وما خلفاه من خسائر بشرية ومأساة إنسانية عن الحاجة الملحة إلى وقف الحرب، وضمان تدفق المساعدات دون عوائق، وتوفير الغذاء والدواء والمأوى، ثم الشروع في إعادة إعمار ما دمره العدوان. وقد واصلت المملكة جهودها الإغاثية عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، من خلال المساعدات الإنسانية والإمدادات الإغاثية، في تعبير عن التزامها بتخفيف معاناة الفلسطينيين ومساندتهم في مواجهة الكارثة.

غير أن الإغاثة، على أهميتها وضرورتها، لا يمكن أن تكون بديلاً من الحل السياسي، كما أن إعادة الإعمار لا ينبغي أن تتحول إلى مدخل للوصاية على الشعب الفلسطيني أو الانتقاص من حقوقه الوطنية. فالمطلوب أن تجري عملية التعافي والإعمار بما يحفظ كرامة الفلسطينيين وحقهم في البقاء على أرضهم، ويصون وحدة الأرض الفلسطينية ومؤسساتها، ويتيح لأبناء غزة استعادة حياتهم في إطار وطني فلسطيني موحد، بعيداً عن التهجير والإخضاع والابتزاز السياسي.

وهنا تبرز أيضاً مسؤولية القيادة والقوى الفلسطينية في إنهاء الانقسام، واستعادة الوحدة الوطنية، وتوحيد المؤسسات والقرار السياسي، وتجديد الشرعيات عبر الوسائل الديمقراطية. فالدعم العربي والدولي، مهما اتسع، تزداد فاعليته حين يقابله موقف فلسطيني موحد قادر على حماية الحقوق الوطنية، وإدارة المرحلة الانتقالية، وتمثيل الشعب الفلسطيني في مسعاه نحو الحرية والاستقلال.

إن العلاقات السعودية الفلسطينية، بما راكمته من تاريخ سياسي وإنساني، تمثل رصيداً مهماً للقضية الفلسطينية، وتؤكد أن التضامن الحقيقي يجمع بين الإغاثة والعمل الدبلوماسي والتمسك بالحقوق. وتبقى مسؤولية المرحلة الراهنة تحويل هذا الرصيد إلى خطوات ملموسة تنهي الاحتلال، وتوقف الاستيطان، وتحمي الشعب الفلسطيني، وتضع حداً لمعاناته الممتدة.

إن السلام الذي تنشده المنطقة لن يكون مستقراً أو عادلاً ما لم يستند إلى القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، ويضمن إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على حدود الرابع من يونيو عام 1967، عاصمتها القدس الشرقية، مع التوصل إلى حل عادل لقضية اللاجئين وفق القرارات الدولية ذات الصلة. فهذه ليست مطالب قابلة للتجاوز، بل حقوق وطنية مشروعة، وتحقيقها هو الطريق إلى سلام حقيقي يصون كرامة الشعب الفلسطيني، ويعزز أمن المنطقة واستقرارها.

جنوبيات
أخبار مماثلة