كعادته وقف على منبر الأمم المتحدة مروّج الأكاذيب والإدعاءات ومزوّر الحقائق الماكر نتانياهو وقال: "إن المعاملة الأميز التي يلقاها المسيحيون في المنطقة هي في اسرائيل". لا أعود هنا الى تاريخ الإساءات والاضطهاد الذي ميّز تعامل دولة الاحتلال مع المسيحيين وقد كتب الكثير عنه. أتوقف عند ما جرى قبل الكلمة وبعدها.
- منذ أشهر تعرّضت بلدة الطيبة ذات الطابع المسيحي في الضفة الغربية لاعتداءات مستوطنين أحدثت ضجة داخل الكيان وخارجه وأعلن رؤساء كنائس القدس موقفاً قوياً أدانوا فيه الاستهدافات المتتالية لأبناء الضفة بهدف احتلال أراضيهم وتهجيرهم وكان للمسيحيين منها نصيب كبير.
وفي بيت ساحور مدينة حقل الرعاة وعلى بعد دقائق من "المغارة" تمّ الاعتداء على كنيسة الروم الارثوذكس ونشرت صور عنه ومعلومات عن الخطر المحدق بمحيط المدينة، وكان مجلس الكنائس قد حذّر من أن مشروع الاستيطان في منطقة عش غراب يهدّد الأرض وأحد اقدم التجمعات المسيحية في المنطقة المقدسة. قبل ساعات من خطاب نتانياهو اقتحمت قوات الاحتلال بيت ساعور وداهمت منزلاً مسيحياً فيها.
- غطّت مواقع التواصل الاجتماعي صور اعتداءات المستوطنين في الضفة وداخل كيان الاحتلال ضد الراهبات اللواتي تمّت إهانتهن في الشوارع أمام المارة . وعمليات البصق في وجوه المسيحيين وإعلان الباصقين أن "البصق واجب"!! ولا ننسى التقليد الاسرائيلي الدائم الذي يعايد المسيحيين في كل مناسبة بمنعهم من الدخول الى الكنائس وممارسة طقوسهم الدينية بحرية واستهداف مؤسساتهم التربوية مع بداية كل عام دراسي. هذا العام وقبل كلمة نتانياهو أعلنت المدارس المسيحية تعليق بدء العام اعتباراً من اليوم الأول بسبب عدم تجديد اسرائيل تصاريح الدخول لأكثر من 70 معلماً وموظفاً!!
- في بداية الصيف قامت حركة مسيحية شاملة واسعة شارك فيها ممثلو كل الكنائس وبعد أحداث "الطيبة" في عملية استنفار لتسليط الضوء عمّا يعانيه المسيحيون ودق ناقوس الخطر والتحذير من استهداف وجودهم.
في واشنطن حلّ البطريرك الارثوذكسي ثيوفيلوس الثالث في البيت الأبيض مطالباً بـ"ضرورة حماية السكان المسيحيين خاصة في مناطق مثل غزة وجنوب لبنان". ورفع البطريرك في القدس الصوت محذراً من خطر ما تناقلته وسائل اعلام وتقارير صحفية في العاصمة الأميركية تشير الى نية الاحتلال تقليص دور الأردن في حماية الأماكن المقدسة، داعياً الى تثبيت الوصاية الهاشمية!!
وفي الاليزيه استقبل الرئيس ماكرون بطريرك الأرمن اللاتين بييرباتيستا بيتسبالا وقلّده وسام جوقة الشرف برتبة "قائد" وكانت مناسبة لإلقاء الضوء على موضوع الوصاية الأردنية على المقدسات الاسلامية والمسيحية في القدس. وتزامن ذلك مع جولة للقيادات المعمدانية في مصر ولبنان وسوريا كانت محطتها الهامة لقاءات مع بطريرك الأقباط الأرثوذكس تواضروس الثاني في مقر البطريركية مع وزير الأوقاف المصري الدكتور أسامة الأزهري. تلتها زيارة في الأردن ولقاء مع المستشار الخاص للملك عبد الله للشؤون الدينية الأمير غازي بن محمد بحضور المدير التنفيذي للصندوق الهاشمي لإعمار المسجد الأقصى وقبة الصخرة وصفي الكيلاني. وبعدها عقد لقاء مع المسؤولين الجدد في سوريا ولقاء مهم مع الرئيس اللبناني جوزف عون. غاية كل هذه اللقاءات في العالم والمنطقة، التركيز على ضرورة حماية المكوّن المسيحي فيها وشرح الحقائق المتعلقة بوضعهم الحالي ودحض إدعاء نتانياهو بأن "دولة الاحتلال هي أكثر مكان آمن للمسيحيين"!!
في هذا التوقيت صوّت في بريطانيا برلمان الكنيسة على التعامل مع وثيقة تشير الى "تنفيذ إبادة جماعية" في غزة، ودعوة للتضامن مع المسيحيين وبقية الفلسطينيين في مقاومتهم السلمية للاحتلال المستمر". وفي أحد فصول الوثيقة وتحت عنوان: "لحظة الحقيقة: الإيمان في زمن الإبادة الجماعية": "إن الصهاينة لا يريدون لنا أن نبقى على أرضنا . خطتهم بالنسبة لنا هي التهجير أو الموت او الاستسلام. إن حرب الإبادة الجماعية على غزة هي استمرار للمشروع الصهيوني للاستيلاء على كل فلسطين وإفراغها من شعبها. إن التطهير العرقي وحرمان المهجرين قسراً من حق العودة هي سياسات مستمرة تمارس في القدس وغزة وأراضي الـ1948".
بعد كلمة نتنياهو ترجم جيش الاحتلال مقولة "اسرائيل المكان الأكثر أمناً للمسيحيين في المنطقة" باستهداف منزل في غزة فاستشهدت ميساء خضر ابو داوود وابنتها ماري من الطائفة المسيحية الكريمة. الإبن والحفيد الذي خسر أمه وجدته قال: "الكل مستهدف ولا تمييز بين مسيحي ومسلم. كلهم شهداء"!!
وفي شهادة أخرى قدّم النائب في الكنيست الاسرائيلي جلعاد كريف دليلاً إضافياً على اعتداءات رجال الأمن ضد رجال الدين المسيحيين فقال: "التقيت هذا المساء بالأب قسطنطين أحد أبرز قادة طائفة الروم الأرثوذكس في يافا بعينين دامعتين وصوت متهدّج. وصف لي العنف الذي تعرّض له على أيدي عناصر الشرطة في الشارع الرئيسي في يافا والتفتيش المهين الذي خضع له في مركز الشرطة!! السبب: الأب قسطنطين شخصية مجتمعية وتربوية معروفة في يافا وفي جميع المجتمعات المسيحية في أنحاء البلاد، تجرأ على توجيه ملاحظة الى شرطي في وحدة يسام بشأن تعامله العدواني مع فتى صغير السن. اعتقل الأب وكبّل بالأصفاد وأدخل بالقوة الى سيارة الدورية وهو يرتدي الزي الكهنوتي بينما كان المارة يوضحون لعناصر الشرطة أنه أحد كبار رجال الدين في يافا. الكدمات الزرقاء على يدي الأب قسطنطين ورجليه شاهد على العنف الذي تعرّض له. الدموع في عينيه بعد أسبوع من الحادثة تدلّ على الصدمة النفسية التي عاشها نتيجة هذا السلوك الوحشي"!!
- ما تقوم به فرقة يسام وهي قوات منظمة يؤكد أن ما يجري في المستوطنات وضد المقدسات المسيحية والاسلامية وكيفية التعامل مع رجال الدين ليست عمل مشاغبين، ولا يعاقبون، هي تعبير عن سياسة رسمية معتمدة في دولة "الفصل العنصري" و"التطهير العرقي" و"الإبادة الجماعية" مبنية على "ثقافة سيئة وفاسدة تغلغلت في الشرطة الاسرائيلية برعاية وزير عنصري متعصّب قومياً" على حد قول كريف الذي أكد: "...مجرمون مدانون مثل الحاخام برلاند يحظون بتكريم يليق بالملوك من ضباط الشرطة بينما يتعرض قادة دينيون يعملون طوال حياتهم من أجل العيش المشترك للعنف والإذلال"!!
من داخل كيان الاحتلال شهادات موثقة تدين نتنياهو وجيشه ومستوطنيه وتؤكد العدوان المفتوح العنصري ضد كل من لا يعترف بالدولة اليهودية وإدارتها "وحقها الإلهي" بالتوسّع، وبالتالي ضد العيش المشترك، والمقدسات الاسلامية والمسيحية، واستهداف المسيحيين قبل غيرهم مما يسقط ما قاله الرجل المهووس بالدم والقتل على منبر الأمم المتحدة.
إن التماسك والتضامن والتعاون والشراكة في الإيمان والأرض وروحية الأديان بالمعاملة الحسنة المتبادلة وتكريس حقوق الانسان والتسامح بين الفلسطينيين أقوى من إتفاقات إبراهيمية تترجمها اسرائيل عدواناً مفتوحاً واستهدافاً دائماً للمسجد الأقصى ووعوداً ببناء الهيكل وانتهاكاً لحرمات وكرامات المسيحيين وإصراراً على احتلال أرضهم وتهجيرهم.
نتنياهو يعرف أنه يكذب . ولا يعرف فقط ما يفعله الجيش والشرطة والمستوطنون بحق المسيحيين بل يوجّه ويغطي ويهدّد من يتخذ إجراءات بحق المعتدين وفي أقصى الحالات يعتبرهم مشاغبين. المهم أن يقتنع العرب بأن اسرائيل لا تحترم أحداً ولا تلتزم باتفاق مع أحد، وأن يسمعوا ويفهموا مخاطر ما يفعله المسؤولون الاسرائيليون على مختلف مستوياتهم وإصرارهم على تهويد أرض فلسطين وتهديد كل دول الجوار.