فلسطينيات >الفلسطينيون في لبنان
فلسطينيّات خارج لائحة «اتّخاذ القرارات»
فلسطينيّات خارج لائحة «اتّخاذ القرارات» ‎السبت 2 04 2016 10:43
فلسطينيّات خارج لائحة «اتّخاذ القرارات»


لقد خرقت «حظر التّجوال». بالنّسبة للاحتلال، كان هذا سبباً كافياً لرفع فوّهة البندقيّة، التّصويب على جسدها النّحيل، وضرب الرّصاص.
قبل إرسالها للّحاق بشقيقها خالد، تردّد والد خديجة كثيراً. «هل يُعقل أن يقتلوا صبّيّة عزلاء»؟ اعتراه ارتياحٌ ما لفكرة أنّها امرأة. كان قاسم مخطئاً. ابنته قُتلت بدمٍ بارد. اخترقت رصاصاتُ «حفظة الّنظام» جسدها. ومنذ ذلك الوقت، منذ أربعين عاماً، وفاجعتان اثنتان تلازمان سخنين الجليليّة: مصادرة الاحتلال للأراضي في القرية، إلى جانب أراضي عرّابة ودير حنّا وعرب السواعد وغيرها، ومقتل خديجة قاسم شواهنة.
هكذا بدأت قصّة «يوم الأرض». شهيدةٌ عشرينيّة، خمسة شهداء آخرين، ومصادرة أكثر من 21 ألف دونمٍ من أراضي الجليل. لأسبوعين كاملين، لفّ التّعتيم قصّة استشهاد خديجة. أقرّت صحيفة «هعولام هزيه» الإسرائيليّة بالجريمة. ومنذ ذلك الحين، منذ 30 آذار 1976، اتّخذت الأمور منحًى آخر.
«المرأة» واجهة فلسطين
يوم رحلت خديجة، لم يكن يخطر ببالها ذلك اليوم الّذي يخرج فيه أحدُهم لينعت نضالها، ورفيقاتها، بـ «العورة». يوم رحلت لم يكن في تصوّرها أنّ الحال مستقبلاً قد يُصبح أحلك من الماضي. يوم رحلت لم تكن تتصوّر أنّ يوماً سيأتي وفلسطينيّاتٌ، ممّن يقبعن داخل الأرض وخارجها، سيسألن: أين دورنا؟ لمَ تهميشنا؟ يوم رحلت كان في تصوّرها شيءٌ واحدٌ: مستقبلاً، سوف يكون صوتُ التّطرّف (اليهودي ـ الإسلامي) قد خفُت ليصدح مكانه بوق القضيّة.
جزءٌ كبيرٌ من تلك الأماني والتّصوّرات لم يتحقّق.
نساءٌ يسألن: أين دورنا؟
هناك شعورٌ بالتّهميش. داخل أروقة المخيّمات صوتٌ يقول «أين دورنا»؟ ليس السّؤال سرّاً، ولا هو بالجديد. اللّافت للنّظر، زيادة شعور المرأة الفلسطينيّة اللّاجئة بتهميشٍ تتعرّض له على مستوى القرارات. الأخطر من ذلك، الأماكن الّتي تتوجّه لها أصابع الاتّهام. إلى تلك الزّوايا و «الخلايا» الّتي تحوي صبغةً إسلاميّةً «لا تُحبّذ التّواجد النّسائيّ».
حاليّاً، تُشكّل «خليّة الأزمة» أحد أبرز أرضيّات القرار الفلسطينيّ. شكّلت الفصائل الفلسطينيّة تلك الخلية لمواجهة قرارات وكالة «غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين» (الأونروا) التّعسّفية. أعطت الفصائل لنفسها «امتياز المواجهة». اثنا عشر فصيلاً، لكلّ فصيل مندوب، وطبعاً، جميعهم من الرّجال. في الأساس، شكّلت فصائل مخيّم «عين الحلوة» جزءاً كبيراً من الخلية. تمثّلت فصائل متطرّفة داخل المخيّم في الخليّة بهدف جعل الوضع متماسكاً. ما حصل داخل الخليّة، أنها فرضت لنفسها كياناً شبه منفصلٍ عن إرادة اللّاجئين الفلسطينيّين في لبنان. على المستوى التّمثيلي، برز ذلك بشكلٍ واضح. من الدّاخل علا الصّوت: أين الشّباب؟ أين النّساء؟ الانهيار في «منظومة التّشكيل» أحدث شرخاً في التّضامن على مستوى الخطوات المُتّخذة. سأل الشّباب: «أين نحن»؟ هنا، وعى «تجمّع شبابُنا» أهمية بثّ عنصر الشّباب داخل «الخليّة العجوز»، فقرّر التّخطيط لإشراك مندوبٍ شاب داخل الخلّيّة.
والنّساء؟
قد يكون من المنطقيّ الإقرار بأنّ خطوة إشراك شابٍّ في الخلية تنطبق على الجنسين. أقلّه، هذا ما يراه التّجمّع. إلا أنّ الأمر أكثر خطورةً من ذلك. ما يحصل أنّ تنظيماتٍ تسعى، عن قصدٍ أو غير قصد، إلى تأطير المرأة وعملها ونضالها وتاريخها داخل الأراضي المحتلّة. أيّ محاولةٍ إلى تسخيف المسألة أو تضييعها في أتون القضيّة وعناوينها الكبرى، يُعدّ جريمةً بحقّ المرأة الفلسطينيّة. «تحاشي» إشراك اللاجئة الفلسطينيّة في صنع القرار يعني رصاصة في صدر خديجة شواهنة، وقلب كليراز العويوي، وتضحية أشرقت قطناني وإنجاز حنان الحروب، المدرّسة الأفضل في العالم.
ليست مسألة طبيعيّة أن لا يتمّ استدعاء اللاجئة الفلسطينية حلوة حسين إلى دروسٍ للتّقوية في «مدرسة نادي الأقصى» للسنة الثّانية لأنّها لا ترتدي الحجاب. حلوة كانت من الأكفأ ضمن فئة تدريس مادّة الرّياضيّات. إلا أنّ القيّمين على النّشاط، الّذي أقيم تحت إدارة حركة «حماس»، أصرّوا على ارتداء حلوة للحجاب. حلوة لم تفعل، فاستغنوا عن خدماتها.
وليس أمراً عاديّاً أن توقف قطر دعمها لجمعيّة «معاً» بعد أن كثرت الحركات «الكافرة». هل يُعقل أن يشبك أطفالٌ، من صبيانٍ وبنات، أيديهم في النّشاطات؟! هل يُعقل؟!
الحديث عن المرأة تمييع للقضيّة؟
هنا يغضب أبو جابر. بالنّسبة إلى سمير اللوباني، ممثّل «الجبهة الشّعبية» داخل الخلية، الحديث عن مشاركة المرأة داخل الخلية يعني «تقزيمٌ للمعركة». يرى أنّ التّركيز يجب أن ينصبّ على المعاناة الفلسطينيّة ككلّ وليس على هكذا أمور تفصيلية.
يترفّع عن هذه الصّرخة. يعتبر أنّ الرّجل يساوي المرأة. وعلى الرّغم من ذلك، لا نساء على مستوى القرار. يعزو اللّوباني ذلك إلى «عدم ترشيح أي فصيل لأيّ امرأة لعضويّة الخليّة». وعند السّؤال عن إمكانيّة جلوس امرأة إلى جانب عضو «أنصار الله» يُجيب: «ليجي الصّبي منصلّي عالنّبي».
بطريقةٍ ما، يتحوّل الحديث عن أحقّيّة مشاركة المرأة في الخلية، إلى دفاعٍ قويّ عن الخلية نفسها. يُدرك اللوباني حجم العتب على تشكيل اللجنة وخطواتها. لتوصيف ذلك، يستشهد بالمثل المصريّ «اللي بحبني بيبلّعلي الزلط واللي بيكرهني بيعِدّلي الغلط». هو نفسه يعترف بالتّقصير. يتحدّث عن خطواتٍ ستُتّخذ في القريب العاجل لتحسين الأوضاع، أبرزها تشكيل لجنة طبّيّة تتكوّن من أطباء بعيدة عن الصّبغة التّنظيميّة والسياسية. هو إذاً يعترف بالخلل على مستوى التّشكيل.
في تلك الخلية يجلس، إلى جانب اللّوباني، أبو إياد الشّعلاني ممثّلاً «اللجان الشعبية»، أحمد عبد الهادي ممثّلا حركة «حماس»، شكيب العينة ممثّلا «الجهاد الإسلامي»، حسين الخطيب ممثّلاً «القيادة العامة»، غسان أيوب ممثّلاً «حزب الشعب»، صلاح يوسف ممثّلا «جبهة التحرير الفلسطينية»، محمود حمد ممثّلاً «أنصار الله»، وشخصٌ آخر ممثلاً «عصبة الأنصار» وآخر ممثّلا «الحركة الإسلامية»، حسن زيدان ممثّلاً «فتح الانتفاضة»، أبو النايف «الجبهة الديموقراطية». في الاجتماعات يستذكرون النّساء، وإن لم يقصدوا ذلك. يتحدّثون عن «يوم الأرض». يُعرّجون على نضالات خديجة وكراز وأشرقت وكلّ امرأةٍ فلسطينيّة. يتباهون بذلك، خصوصاً أمام «الأعداء»، ويتّخذون القرارات.
قصدوا التّهميش أم لم يقصدوا. سخّفوا أهمية المشاركة أم لم يُسخّفوا، قبلوا أم لم يقبلوا، سوف تبقى المرأة الفلسطينيّة جزءاً من فلسطين وذاكرتها وتاريخها وترابها. وسوف يبقى «يوم الأرض» مرتبطاً.. بامرأة.