عام >عام
39 عاماً على الاجتياح الإسرائيلي ... مُقاربة بين الماضي والحاضر - هبة محمد إسماعيل
39 عاماً على الاجتياح الإسرائيلي ... مُقاربة بين الماضي والحاضر - هبة محمد إسماعيل ‎السبت 5 حزيران 2021 20:36 م
39 عاماً على الاجتياح الإسرائيلي ... مُقاربة بين الماضي والحاضر - هبة محمد إسماعيل

هبة محمد إسماعيل

من "السبت الأسود" إلى حادثة "البوسطة"، إلى "انقسام بيروت" والدخول السوري، فمجزرة إهدن، حتى الاجتياح الإسرائيلي في العام 1982. 

بين عامي 1975 و1990، عاشت الساحة اللبنانية طوال 15 عاماً، معارك طاحنة وحروب عرفت بـ"حرب الآخرين على أرض لبنان"، مسرح كبير للدم والنار، يعرض عليه العنف والملاحم بأقسى صوره، ومسرحيات دموية تلعب أدوارها أرواح الأبرياء.

مجازرٌ أودت بحياة الآلاف، وحولت حياة الآخرين إلى كوابيس لا زالت تلاحقهم حتى يومنا هذا، ضربات هستيرية متواصلة، انفجارات من كل حدب وصوب، طائرات ملأت السماء، وشبان يطلقون الرصاص دفاعاً عن أرضهم وعرضهم.

 مشاهد مأساوية وثقتها ملامح الكبار، رُسمت بتجاعيد وجهوهم، وحَفّظت في عقولهم، لحظات الدمار والموت المفجع الذي أصاب عوائلهم وكل عزيز عليهم.

بوتيرة متسارعة، وبهجمات شرسة، اجتاح الاحتلال الإسرائيلي الأراضي اللبنانية في 6 حزيران/يونيو 1982، بذريعة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن شلومو أرجوف على يد مُنظمة "أبو نضال" المُنشقة عن حركة "فتح".

عملية غزو أطلق عليها الاحتلال الإسرائيلي إسم "السلام للجليل" و"عملية الصنوبر"، حولت الأراضي اللبنانية إلى ساحات شاسعة من القتال بين "مُنظمة التحرير الفلسطينية" و"الحركة الوطنية اللبنانية" وسوريا من جهة، و"إسرائيل" من جهة ثانية.

خط هذا الاجتياح العديد من القصص التراجيدية التي يصعب حتماً محوها من الذاكرة، أو حتى إزالة آثارها عن الجدران والشوارع التي شهدتها بتفاصيلها.

في هذا البيت، ومن هذه الزاوية، روت لنا الحجة سلوى قصتها، وكيف خسرت أختها وأخاها وابن عمها بصاروخ إسرائيلي، وكيف أمضت حياتها وأمها يداوون جراح الفراق وهول الصدمة.

كيف عبر الصاروخ من أمام والدتها، التي رأت بأم عينها فلذات كبدها يلفظون أنفاسهم الأخيرة قبل أن تحلق أرواحهم البريئة إلى السماء.

الحجة سلوى، استرجعت معنا تفاصيل القصة وكأنها تعيشها الآن، اختصرت بتعابير وجهها، ودموع عينيها، معاناة وروايات الآلاف الذين ذاقوا ويلات هذه المجازر وبطش العدو الغاصب.

حرمت من أغلى الناس على قلبها، من طفولتها من طمأنينتها، كان الموت طير أسود يحوم فوقهم طوال الوقت، يتفرقون في هروبهم من القصف الوحشي، يمشون بأمر من والدها بصف متباعد، كي لا تنال منهم صواريخ الاحتلال العشوائية.

 والدها الذي كان دائماً موضِع التضحية بروحه دفاعاً عن عائلته، يتقدمهم في المسير نحو الأمان، يراقبهم بعين الحسرة والخوف، يعلم أنه من الممكن أن يخسر أحدهم ولكنه لا يريد أن يخسرهم جميعهم. 

هذا ما كانت تقوم به العائلات - آنذاك - يتفرقون غصباً عنهم، لحماية بعضهم، ولكي يبقى من يحكي القصة، وينقل المعاناة، ويروي الحقيقة كاملة.

في بيتها المُتواضع، الذي هدمته صواريخ الاحتلال، ولكنها عادت وبنته سواعد وإرادة أبنائه، ارتقى إلى السماء ثلاثة أطفال.

دلال البالغة من العمر 12 عاماً، والتي أصرت على الذهاب مع والدتها لتنظيف منزلهم، لم تكن تعلم أنها ستزف شهيدة منه هي وأخاها أمجد (14 عاماً)، وابن عمهم البالغ من العمر 16 عاماً.

كانوا يصرخون لوالدتهم التي كانت تنشر الملابس على سطح المبنى، أن تحتمي من القصف "إنزلي يما.. إسا بتموتي"، وإذ بالصاروخ يعبر من أمامها ليحول المنزل إلى رماد، وأجسادهم إلى أشلاء.

لم تمت الأم، لكن ما حل بها، فاق ألم الإصابة بأشواط، دمها يسيل، وهي تصرخ "ولادك ماتوا يا سليمان... ولادك ماتوا يا سليمان"، صدمة جعلت الأم تركض عارية القدمين نحو المقبرة يومياً لمدة 5 سنوات، وحَرمت الحجة سلوى من زيارة المقبرة رعباً وحزناً على فراق من كانت أرواحهم معلقة بها.

بدموع عينيها روت الحجة سلوى مصابها، وألمها على فقدان قطعة من قلبها، وحزنها على طفولتها التي أضاعتها الحروب، لحظات الرعب، والألم والصراخ، عبرت المشاهد من جديد أمام عينيها وكأنها تعيشها الآن، كانت الدمعة المحبوسة بين جفنيها كفيلة بأن توصل لنا ما عجز لسانها عن نطقه.

من جهة أخرى، زوجها الذي كان له الدور في مواجهة الاحتلال إلى جانب العديد من خيرة الشباب الذين عزموا على الوقوف في وجه النار للدفاع عن أرضهم. 

هو وجميع أفراد عائلته، حملوا فكر "الحكيم" جورج حبش، الفكر الثائر، ومشوا على نهج المُقاومة، كانوا يترقبون الاجتياح الإسرائيلي للبنان، وكانوا على أهبة الاستعداد لاندلاع المُواجهات بينهم.

حتى آخر نفس، قاتل رشاد هو ومجموعات المُقاومة الأخرى الكيان الإسرائيلي، طوال عام ونصف العام لم يعرف شيئاً عن والدته وإخوته.

اعتقل مع الكثيرين من لبنان في "معتقل أنصار"، عانى الظلم والتعذيب، ومن ثم انتقل إلى"سجن عتليت" في فلسطين، وضعوا في خيم زرعت بالجواسيس، وهناك تعرض للضرب المُبرح والتعذيب بأبشع صوره على أيدي ضباط الاحتلال الإسرائيلي، ومن بعدها تم نقله إلى "معتقل أنصار" في وادي جهنم، إلى أن تمت عملية تبادل الأسرى عام 1984 وأطلق سراحه إثرها.

لم يمنع ذلك رشاد، الذي كان يبلغ من العمر 18 عاماً، من الاكمال في العمل المُقاوم، بل زاد إصراره على المُضي قدماً بما بدأه هو وإخوته ورفاقه.

رسالتهم كانت النضال حتى تحرير فلسطين، لكن الظروف السيئة التي أحاطت بهم أعاقت عملهم، والعشوائية والعمالة التي تجذرت منذ بدايات الحرب زادت من الانقسامات وأخرت من نجاحهم باسترجاع حقهم.

رشاد فقد الكثير من رفاقه، منهم من استشهد، ومنهم من اعتقل، ومنهم من لم يعرف عنهم شيئاً، وكسائر الشباب المُقاوم الذين يتمنون الوحدة لاكمال الطريق نحو فلسطين وتحرير القدس، يحلم بالنصر الكبير ويعمل لأجله، وإن كان حرم من النضال سابقاً، إلا أنه لم ينسى أن هناك قضية وأن هناك عدو غاصب يجب هزيمته واقتلاعه من الأراضي الفلسطينية المحتلة.

اندحر الإسرائيليون عن القسم الأكبر من الأراضي اللبنانية المحتلة، وهم يجرون أذيال الذل والخيبة العسكرية، شردوا وعذبوا وقتلوا ودمروا، واغتصبوا الأراضي، لكن، وعلى الرغم من كل ذلك، لم ينكسر الولاء، ولم تحبط العزيمة، ولا زالت جميع العوائل التي شهدت على هذه المجازر تحكي القصة، ولو بغصة، بنوا أجيال المُقاومة والتحرير.

 ما وصلنا إليه اليوم في الساحة الفلسطينية واللبنانية والعربية، هو جراء الانقسامات والسعي وراء المصالح الخاصة، ونتيجة اندفاع البعض إلى التسوية والتطبيع والمساومة على أرض فلسطين في ظل وضع عربي متردي وضعيف.

على الرغم من قساوة الروايات التي تعيدنا إلى الذاكرة في هذا اليوم، إلا أننا لن نبكي ولن نضعف ولن نستسلم لكل الظروف السياسية المُحيطة بنا، لأننا على يقين بأن هذا الجيل لديه من المبادئ والشرف ما يكفي لأن تعود لنا فلسطين، جيل سيصنع ثورة لن تتمكن قوى الظلام والعدوان كافة من الوقوف أمامها، وسيكون النصر حتماً موعدها.

وأعظم ما نستشهد به في هذه الأيام، هو الاعتداءات التي مارسها الاحتلال على المسجد الأقصى وحي الشيخ جراح، فجاء الرد من فصائل المُقاومة في قطاع غزة، من خلال معركة "سيف القدس" التي حققت انتصارات لم تكن في حسابات الاحتلال، إلى جانب الانتفاضة الداعمة من مناطق الـ48، إضافة إلى الوقفات التضامنية من الشعوب العربية والأجنبية التي أحيت من جديد روح القضية التي لا تموت، ولا تستطيع أن تمحيها أي اتفاقية أو صفقات تطبيع.

 

المصدر : جنوبيات