الأربعاء 8 تشرين الثاني 2017 11:52 ص

مهن على درب الإنقراض تعود بسبب الأوضاع الإقتصادية


مهن عديدة عادت لتطفو على سطح الواقع الاجتماعي من جديد. مهن كانت على درب الإنقراض، إلا أنّ الأوضاع الاقتصادية والمعيشية التي نعيشها دفعتنا إلى الاستعانة بها وإحيائها بهدف «التوفير».. هذه المهن عانت مؤخّراً من ركود لا مثيل له، لكنها اليوم نفضت عنها غبار الأزمان لتمد يد العون للناس، الذين قصدوها بهدف ترميم حذاء من هنا أو تبييض طنجرة من هناك، وشراء معطف مستعمل بأرخص الأسعار...
لتسليط الضوء على هذه المهن التقت «اللواء» عدداً من العاملين فيها، فكانت اللقاءات التالية:
{ محمود جمول تعلّم مهنة «التبييض» من والده منذ سنوات طويلة، حين كانت تلاقي هذه المهنة شهرة واسعة أيام زمان، ويقول: «مهنة التبييض مهنة شرقية قديمة تختص بتنظيف النحاس على أنواعه عندما يتأكسد ولا يعود صالحاً للإستعمال. والملفت أنه بعدما تراجعت هذه المهنة عادت لتظهر من جديد نتيجة الوضع الإقتصادي الصعب، لذلك هناك الكثير من الزبائن الذين ما زالوا يفضلون استعمال هذه الأواني النحاسية بدلا من الطناجر الجديدة ذات الأسعار المرتفعة، كالطناجر الكبيرة في الطبخ وخاصة في الأفراح والمآتم والمناسبات الإسلامية التي تقدم فيها الولائم، وطبعاً بعد الإنتهاء من الطبخ تحتاج هذه الأواني إلى التنظيف».
وعن كيفية التنظيف يشير جمول إلى أنّه «يتم التنظيف عادةً بالتبييض، حيث نعمد إلى نقع القدر بماء النار لننظّفها بعدها بالماء العادي، ثم نضعها على نار ذات درجة عالية من الحرارة، ثم نفرك بالقصدير المكان الذي نريد تبييضه، سواء من الداخل أو الخارج والداخل».
وحول أهمية التبييض، يقول: «إن لم تبيّض الأواني النحاسية كل فترة لا تعود صالحة للاستعمال، وتعرّض مستخدمها للتسمّم إذا طبخ بها، وبإمكاننا معرفة حاجتها للتبييض من مادة الجنزار التي تظهر عليها».
الإسكافي عملة نادرة
{ كذلك التقينا «الإسكافي» حسين فرحات الذي حدّثنا عن واقع المهنة، لافتا إلى أن هناك اختلافا كبيرا ما بين «الإسكافي» و»الكندرجي»، والكثير من الناس يخلطون بين المهنتين، ويعتقدون بأنها عمل واحد، ويقول: «تعلمت هذه المهنة على يد كبار المعلّمين، إلا أنهم ماتوا جميعا، وأنا أعمل بها منذ الرابع عشر من عمري. وقد سنحت لي الفرصة أن أعمل مع الأرمن الذين هم أفضل من عمل في هذا المجال. الحمد لله بأنّ هذه «المصلحة» ساعدتني على أن أنشىء عائلة وقد ربيت 3 أولاد، وتمكنت من تعليمهم، وهم الآن جميعهم يعملون، وقد استطاع كل واحد منهم أن يشق طريقه، طبعا لا يمكن جمع ثروة، لكنني أعيش مستوراً ولا أحتاج أحداً».
وفي ما يتعلق بإقبال الزبائن يقول فرحات: «الزبائن باتوا يبحثون على الإسكافي لأنه بات عملة نادرة هذه الأيام، فالأوضاع صعبة على الجميع، ومن لديه حذاء أو سكربينة يحاول قدر الإمكان إطالة عمرها».
رتي الثياب
{ «مهنة الرتّا – رتي الثياب» كادت تندثر في ما مضى إلا أنها اليوم عادت إلى الساحة، فالرتّا محمد حنين متزوّج وله 5 أولاد، ويؤكد عودة ازدهار هذه المهنة، حيث يقول: «أعمل في هذه المهنة منذ 30 عاماً، وقد ورثتها عن الوالد، وما أذكره أنّ الإقبال عليها كان ممتازاً للغاية، إلا أنه بدأ بالتراجع بوجود الثياب الصينية التي ملأت الأسواق بكثرة، لكن في المدّة الأخيرة وبعدما لمس الناس عدم جودة هذه الملابس باتوا يفضلون شراء قطعة أو قطعتين ذات جودة على أن يحافظوا عليها لذلك عدنا لنشهد إقبالاً على «رتي» الثياب، خصوصا أن هناك أشخاصا يحبون الاحتفاظ بقميص معين أو ربما فستان يكون بحاجة إلى إعادة تجديد ويكونوا قد ارتدوه في مناسبة خاصة».
ويتابع: «هنا لا بد من أن ألفت إلى أن معظم زبائني من الطبقة الميسورة، أما غالبية الثياب التي نقوم برتيها فتكون ماركة مسجّلة وسعرها باهظ، لذلك يحاول الزبون الحفاظ عليها، لا سيما أنه بات من الصعب شرائها في زمننا هذا».
وبالنسبة إلى أسعار الرتي فيشير إلى أنّه «لكل قطعة سعرها»، مضيفاً: «السعر يختلف إذا كانت هناك ألوان كثيرة أو كان لون القماش سادة، كما أن سعر القماش يختلف عن الجلد. أما عملية الرتي فتتم من خلال سحب الخيطان من القماش لتجري حياكتها من جديد، وتستغرق ما بين الساعتين والأربع ساعات».
منجّد القطن والصوف
{ أحمد بيضون منجّد يملك دكاناً صغيراً في منطقة طريق الجديدة، ويقول: «قبل سنوات كادت مهنة التنجيد أنْ تنقرض بعدما غزت المراتب واللحف والوسادات الجاهزة كل البيوت، فلم يعد الجيل الجديد يهتم على ماذا سينام أو ماذا سيضع تحت رأسهن ولكن بما أنه لا يصح إلا الصحيح فقد عاد الكثير من الناس إلى تنجيد الملاحف، لا سيما الوسائد لأن النوم على القطن والصوف يفيد الجسم ويريحه، لذلك ننصح كل مريض يعاني من مرض «الديسك» أو التكلس أن ينام على مرتبة من الصوف ووسادة صوفية نظرا إلى فوائدها لأن المراتب والوسادات الجاهزة لها مضار كثيرة تؤذي الظهر والرقبة وتعرّض الشخص لآلام عديدة»، موضحا أنّ معظم زبائنه من الأشخاص الذين ما زالوا يهتمون بصحتهم، وأكثرهم من ربات المنازل.
«البالة».. «مستعمل بس جديد»
وفي ختام جولتنا، قمنا بزيارة أحد الأسواق التي يتواجد فيها العديد من محلات بيع الألبسة المستعملة أو ما يسمى بألبسة «البالة»، فالتقينا محمد شهاب أحد أصحاب هذه المحلات، فيقول: «أعمل في هذه «المصلحة» منذ 12 عاما، وقد كان الإقبال على شراء الألبسة جيد جدا، إلى أن اجتاحتنا موجة الألبسة الصينية».
ويتابع: «في السابق كان الزبائن يشترون بكثرة دون السؤال عن السعر إلا أن المسألة اختفت في الأعوام الأخيرة، فرغم عودة الناس إلى شراء الألبسة المستعملة إلا أنهم باتوا يشترون ما هم بحاجة ماسّة إليه، وذلك بعد فصال حاد للسعر لأن أوضاع الناس باتت صعبة جدا».
وفي ما يتعلق باستيراد الثياب، فيقول: «نشتري الثياب المتبقية لدى التجّار على أساس «ستوكات» ويكون بينها ماركات هامة، فنبيعها بنصف سعرها وأحيانا بربع السعر. مثلا نبيع المعطف بـ20 ألفا والبلوزة بـ5 آلاف وأحيانا بـ2000 ل.ل. كذلك فإن أسعار الثياب الولادية تتراوح ما بين الـ2000 والـ10 آلاف ل.ل.»
وعن الزبائن يقول: «في الماضي كان زبائننا من مختلف الطبقات، لا سيما الأغنياء الذين يبحثون عن القطع المستوردة، أما اليوم فإن أهل المنطقة والجوار هم من يشترون. باختصار هذه «المصلحة» تسمح لك بأنْ تعيش مستورا، لكن بالتأكيد لا يمكن إدخار المال من مردودها».
   

 

 

 

المصدر :اللواء