الثلاثاء 13 نيسان 2021 11:05 ص

لبنان يعلــّم واللبنانيون لا يتعلـّمون


* غازي العريضي*

اليوم 13 نيسان. الذكرى الثالثة والثلاثون لاندلاع الحرب الأهلية في لبنان. من دولة الاستقلال في 22 تشرين الثاني 1943 الى 13 نيسان 1975، إثنان وثلاثون عاماً. كانت نتيجتها الحرب بعد أن شهد لبنان خضات وهزات ومعارك وثورات وتقلبات في التحالفات والتركيبات وتداخلات وتشابكات بين العوامل الإقليمية والداخلية، وبالتالي تدخلات إقليمية ودولية في السياسة اللبنانية ومباريات على ساحتها !!

اثنان وثلاثون عاماً، لم تبنى خلالها دولة ومؤسسات باستثناء بعض الخطوات والقرارات والانجازات التي تحققت ايام الرئيس فؤاد شهاب. ورغم وجود قيادات كبيرة في البلاد تعرف التوازنات الداخلية، والصيغة اللبنانية الفريدة القائمة على أساسها، فلم تنجح التجربة ولم ينج لبنان من خطر الانزلاقات المتتالية الى مواجهات وتحديات وصولاً الى الحرب. ولو أدرك الكبار والمسؤولون منهم في مراكز القرار في تلك الفترة أهمية فرادة الصيغة اللبنانية في هذا الشرق وربما في العالم، ولو عرفوا كيف يستفيدون من الظروف لتكريس دولة واحدة وموحدة لكل ابنائها، وبناء مؤسسات قادرة على حل مشاكلهم، لما توصلوا الى الحرب رغم التعقيدات المعروفة. 

ولا ابالغ إذا قلت إن تجربة وحيدة فريدة شهدها لبنان في تلك العقود وعلى مر العهود السياسية المتتالية، والتي أطلقت برنامجاً سياسياً للتغيير والاصلاح الديموقراطي في لبنان تجاوز الحدود الطائفية والمذهبية والمناطقية وكان نموذجاً عن وحدة اللبنانيين آلاماً وآمالاً وتطلعات. كانت تجربة القائد والمفكر السياسي الكبير الشهيد كمال جنبلاط. الذي خاض معارك سياسية كبرى في تلك الحقبة دفاعاً عن الفقراء والعمال والمزارعين والمثقفين والحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية ولتأكيد انتماء لبنان الى عالمه العربي، مؤكداً دائماً أن العروبة في مفهومه هي العروبة الإنسانية الحضارية الجامعة، المتجاوزة كل أشكال العصبيات المذهبية والطائفية أيضاً وكل حواجز القمع والتسلط على الناس وثرواتها ومصالحها ومستقبلها. ميزة كمال جنبلاط في تلك التجربة أنه كان ناقداً لها باستمرار. لم يدّع يوماً أنها سليمة من الأخطاء والثغرات والشوائب. بل ذهب ابعد من ذلك ليقدم نفسه شفاهة وكتابة في مقالات وبيانات ناقداً شفافاً لتجربته معترفاً أمام الجميع باخطائه وسوء تقديره لعوامل معينة في مراحل نضاله وبالتالي ليقدم نفسه رجل سياسة يتعلم من تجاربه ويقف عند اخطائها ويعمل على تداركها. 

أهم ما في تلك التجربة اقتناعه بفرادة الصيغة في لبنان , وحرصه على التغيير من داخل النظام، لقوانين وأنظمة لا تهز الصيغة والكيان ولا تضرب التوازنات لأن الحقوق تصل لكل الناس. ومن ضمن هذه القناعة كانت نظرته للدولة كإطار جامع لكل اللبنانيين. هي الملاذ.

ومؤسساتها هي المرجع والقانون هو يحكم والناس سواسية أمامه. ولذلك تعامل على رأس المؤسسات التي أدارها يوم استلم وزارات مختلفة على أساس أنها لخدمة اللبنانيين كل اللبنانيين وليست لفريق دون آخر. والأهم من كل ذلك إيمانه بالتسوية ولطالما تحدث عن جمال التسوية. حتى وهو يتقدم كان يدرك انه سيصل الى مكان يكرس فيه تسوية ما. التسوية التي تكرس جمالها بتكريسها جمال الصيغة اللبنانية والتي تتفاعل فيها كل المكونات للشعب اللبناني فتحافظ على خصوصياتها ولا تدع هذه الخصوصيات تدمر فكرة الدولة الجامعة تحت أي عنوان من عناوين الخوف أو الهواجس أو القلق أو الانعزال او الاستقواء او ما شابه. ومن هذا المنطلق كان يتمتع بصفة اساسية من صفات القيادة وهي إدراكه المدى الذي يمكن أن يصل اليه في تحركه دون تجاوزه وبالتالي معروف اين يجب ان يقف ليكمل تلك التسوية بجمالها !! 

وللأمانة أقول، ربما حمت هذه التجربة وشخصيتها مع شركاء آخرين لبنان في فترات صعبة، لكنني مقتنع بأنه لو تمتع كل القادة بصفات كمال جنبلاط وترجموا قناعاتهم بالممارسة العملية لما وصلنا الى ما وصلنا اليه. بالتأكيد ال " لو " لا تبني شيئاً لكنها تطرح احتمالات وربما تفتح آفاقاً للتفكير بمسائل لا تكون منظورة في لحظات التشنج والانفعال وهنا أهمية ان يستفيد المرء من تجربته ومن تجربة غيره في الوقت ذاته خصوصاً عندما تكون القيادة، قيادة بلد ومجتمع، وبالتالي تكون المسؤولية كبيرة لأنها بمستوى الشرف، فكمال جنبلاط كان يعتبر قيادة الناس شرفاً يجب ألا يطعن أو يساء اليه من صاحبه تماماً كما من أخصامه !! 

من 13 نيسان 75 حتى 13 نيسان 2008. ثلاثة وثلاثون عاماً أخرى. شهدنا فيها خمسة عشر عاماً من الحروب. كل الحروب. حروب الطوائف والمذاهب. حروب داخل الطوائف والمذاهب. حروب الأحزاب. والزواريب. والنفوذ والسلطة. حروب كل المخابرات على أرضنا. أقول دائماً الحرب الأهلية في لبنان في تلك الفترة كانت حرب الحروب. أعتقد أنها كانت كافية ببداياتها ومراحلها ونتائجها حتى اتفاق الطائف لنتعلم. مع التذكير بأن اغتيال كمال جنبلاط وحده كان كافياً ليتعلم كل اللبنانيين الذين أحبوه واعتبروا أن حلماً قد طوي.

والذين كرهوه وخاصموه وحاربوه ورفضوا التفاهم معه والاستفادة من عقله وتجربته وخبرته وما شاركوه ثم ندموا بعد اغتياله لأنهم خسروا الشريك اللبناني الصادق الصافي والمؤمن بلبنان كياناً مستقلاً حراً ديموقراطياً عربياً وانسانياً لكل ابنائه !!

من 13 نيسان 1975 حتى تشرين الثاني عام 89 تاريخ إقرار اتفاق الطائف كانت سوريا اللاعب الأول والأكثر تأثيراً في لبنان بعد أن استهلكت كل المبادرات والتحركات والقرارات واللجان العربية والدولية التي اتخذت وأعلنت بشأن لبنان. وباستثناء كمال جنبلاط والمغفور له العميد ريمون إده الذي غادر البلاد بعد تعرضه لمحاولتي اغتيال، أخطأ اللبنانيون بحق أنفسهم وبلدهم في التعاطي مع أزماتهم ومع مديريها ومحركيها والمشرفين عليها. من اتفاق الطائف 89 وحتى الخروج من لبنان نيسان 2005 كانت سوريا المقرر الأوحد في لبنان. فأدارت كل شيئ وحركت كل شيئ. وأخطأ اللبنانيون بغالبيتهم في التعاطي السلبي أو الإيجابي مع هذا الواقع. ومع ذلك كان دائماً هذا البلد جباراً. وهذا الشعب جباراً. لقد انتصر لبنان وشعبه على الحرب الداخلية. خرج منها مدمراً منقسماً فأعاد بناء نفسه ومؤسساته. وفي الوقت ذاته خاض حروباً أخرى بوجه اسرائيل وانتصر عليها. وبالتالي هو انتصر على نفسه على حروبه ثم انتصر على عدوه. كان ذلك إنجازاً استثنائياً لا مثيل له ويعطي أملاً كبيراً في قدرة اللبنانيين على تجاوز المحن. لكن ذالك لم يترافق أبداً مع بناء الدولة. فالمشروع الذي أطلقه الرئيس الشهيد رفيق الحريري لم يكتب له النجاح، كأن المطلوب كان عدم وجود دولة في لبنان، ليبقى ساحة للصراعات لحسابات إقليمية ودولية والمسموح هو هامش محدد ودائماً مهدد !! وكانت الكارثة الكبرى عند اغتيال الرجل ولبنان لا يزال يعيش تداعياتها منذ ذلك الوقت وقد وصفت بالزلزال الكبير وبلغ الانقسام حدود الخطر الكبير أيضاً. 

لقد اصبح الخلاف قائماً على كل شيئ. على الحقيقة لمعرفة من يقف وراء مسلسل الارهاب والاغتيال الذي استهدف فريق الأكثرية، الفريق الذي رفض التمديد القسري للرئيس السابق إميل لحود بقرار سوري، ورفض لاحقاً الممارسات والتهديدات السورية، والخلاف بالتالي على المحكمة وهو خلاف أدى الى نتائج خطيرة تبدو آثارها واضحة اليوم أمام العالم. والخلاف أيضاً على كل السياسات والتوجهات والخيارات والقرارات ومفهوم الشراكة أيضاً وبالتالي الخلاف على الدولة بين من يريدها الملاذ والمرجع ومن يريدها السلطة والقرار للتفرد لا للشراكة كما يعلن رموز المعارضة. وإذا قلت ذلك فلا أنكر أن مشروع الرئيس الشهيد رفيق الحريري لبناء الدولة رافقته أخطاء في توجهاته أحياناً وفي الممارسات لتطبيقها أحياناً أخرى، كما لا أنكر في الوقت ذاته أن الفريق الأكثري الذي جاء من مواقع مختلفة ارتكب أخطاء كبيرة.

الحقيقة الثابتة ان كل الإنجازات تبددت وتهددت بما فيها إنجاز الانتصار الثاني على اسرائيل لأنه أتى وللأسف بسبب المواقف والممارسات التي تلته على يد اصحابه أتى على الوحدة الوطنية التي احتضنت المقاومة وساهمت في تحقيق الانتصار. نعم، لبنان اليوم يعيش حالة انشطار سياسي. تعصف به حالات مذهبية وأصولية متطرفة خطيرة لم تشهدها من قبل وحالات طائفية وتدنى فيه مستوى العمل السياسي والخطاب السياسي ويتراجع فيه مفهوم الدولة واستشرت الفوضى وأشكال الفساد في كل مكان. واللبنانيون لا يلتقون. لا يتحاورون. لا يدركون خطورة ما يجري. فالذين سقطت تجربتهم وسقط معها لبنان في صراعات وصولاً الى حروب منذ 43 وحتى 75، امتداداً الى الطائف، تراجع دورهم ومن بقي منهم لم يتعلم من تجاربه. ومن لديه طموحات مماثلة في الاستئثار والتحكم لم يتعلم من تلك التجارب فتنفجر كرات النار بين يديه سريعاً وكأنه لا يريد أن يتعلم. وبين هذا وذاك قوى تتمحور هنا او هناك تحمل مشاريعاً وأطماعاً.. لكن مشروع الدولة لا يتقدم معها وعندها بالممارسةوقد أضيف عامل مؤثر هو العامل الإيراني الذي يستخدم لبنان في مشاريع غير لبنانية وغير عربية بالتأكيد. 

والحقيقة الثانية الثابتة، هي أن الناس انفرزت طائفياً ومذهبياً على عـــدد من الزعماء. دماءها فداها. وأرواحها فداها. تلك هي النكاية والعصبية وللأسف يقع في هذه الدائرة " جيل جديد " واسع. تحركه الغرائز والمشاعر وعوامل التحريض والعصبية. لا يحركه العقل والمنطق. ولذلك ترى اليوم خيرة أبناء لبنان يسقطون شهداء إما برصاص الابتهاج التحدي، وهو رصاص احتجاج على آخرين لا رصاص تأييد نظراً لما يطل على الشاشة، أو برصاص طائش من نوع آخر ولو عرف مصدره في مواجهات في الشارع، وكل ذلك خسارة لكل اللبنانيين وتضييع للانتصارات والانجازات وهز للوحدة الوطنية وفتح الأبواب دائماً لكل من يريد ان يتدخل ليتدخل... 

والمفارقة الغريبة اللافتة، ونحن نسمع البعض يتحدث عن الحرب أو يلوح بها مجدداً كأنه لم يكتف من الحروب السابقة، فيسترخص أرواح النــــــاس عندما يقول ( ركن من المعارضة ) " إذا ذهبنا الى الحرب فلا شيئ لدينا نخسره ". كأن الحرب ستكون بين أشباح !! المفارقة هي ان اللبنانيين من هنا او هناك يرفضون الحرب يقول الجيل الجديد لا نريد الحرب. نريد ان نعيش بعد ان اطلع على ما كان وما حصل. ويقول الجيل الذي سبقه : لا نريد أن يعيش ابناءنا ما عشناه نحن !! لكن هؤلاء جميعاً يعودون الى الاصطفاف هنا وهناك تحركهم الغرائز والمشاعر... باستثناء قلة من اللبنانيين ليست قادرة على التأثير... 

لم ألتق دبلوماسياً أجنبياً إلا وقال لي : لبنان مدرسة. لبنان يعلمنا جميعاً. ما نعرفه ونتطلع اليه ونستخلصه من تجربتنا في لبنان في عملنا الدبلوماسي واطلالتنا على قضايا العالم لا يتاح لنا في أي بلد آخر. إنهم " مولعون " بلبنان حتى وهو يعيش أزماته لأنهم يتعلمون منها.. 

كأن اللبنانيين غير مولعين ببلدهم وهو يعيش أزماته وهو يعيش وثباته. والأخطر كأنهم لا يريدون أن يتعلموا فيه ومنه ومن أنفسهم وتجــــاربهم كما يتعلم منها الأجانب !! 

للأسف كأن اللبناني الذي حقق انجازات في كل أصقاع الأرض مصمم على النجاح الفردي لا على النجاح الجماعي. 

وكأن اللبناني اعتاد نمط العيش في الخارج محترماً أصول وقوانين وأنظمة وأحكام الدولة التي تستضيفه، واعتماد نمط العيش في الداخل مستقوياً على الدولة مستهزئاً بها !! 

هل يمكن القول : لبنان يعلـّم والشعب اللبناني " المتعلم " لا يتعلم منه وفيه ؟؟ 

أهم كلمة أقولها اليوم : لا للحرب. لا للحرب. لا للحرب. نعم للدولة. للدولة. للدولة... 

مــــن حق اللبنانيين أن يعيشوا في دولة تحتضنهم ومن واجبهم ان يعملـــــوا من أجلها.... 

هذا المقال نشر في صحيفة " الرياض " السعودية بتاريخ 13/4/2008 حصل ما حصل بعده بأشهر. ذهبنا الى الدوحة وعقدنا تسوية. وعدنا الى لبنان. لكننا كنا ولا نزال محكومين بمعادلة رموزها مميزون بالحقد والنكد وقلة المعرفة والخبرة وبالجهل لحقائق التاريخ.

الدولة شبه منهارة. ولبنان الكيان على طريق الانهيار. والبعض يتحدث عن الحرب. هي اللوثة التي أصيب بها لبنان. هي العبثية والشعوذة السياسية لأن المعنيين ليس فقط لم يتعلموا بل بعضهم لا يريد أن يتعلّم في بلد يعلّم الأميين إذا أرادوا أن يتعلموا. لكن ثمة من يملك ميزة الأمية السياسية بامتياز وهو فخور بها وثمة من ليس في نفسه إلا الحقد والغرور ولا يريد أن يتعلّم أبضاً. 

 

*وزير ونائب سابق

 

المصدر :جنوبيات