الجمعة 30 تموز 2021 11:32 ص

المفتي الميس ... ثوابت بالاعتدال والحكمة والوطنية


* هيثم زعيتر

لكل كتاب أبواب وفصول، لكن عندما نكتب عن المُفتي الراحل الشيخ خليل الميس، تكون الكتابة كلّها أبوابٌ بلا فصول، فكيفما جُلتَ، تجد مآثر وبصمات المُفتي الجليل.
سعادتي كانت كبيرة بالتعرّف إلى سماحته مُنذ أكثر من 4 عقود، وكان لي الشرف أنْ أحظى برعاية كريمة من سماحته، وتشجيع بإطلاق كُتُبٍ، وفي أكثر من مُناسبة، كانت تظهر مآثر الرجل الأصيل، النابعة من شهامة.
يوم حاول بعض العُملاء تحريض مَنْ غُرِّرَ بهم لمنع توقيع كتابي "زلزال الموساد... العملاء في قبضة العدالة"، حين لبَّيْتُ دعوة المُفتي الميس للمُشاركة بإطلاق الكتاب في دار أزهر البقاع، خلال "المعرض الحادي العشر للكتاب العربي والإسلامي"، يوم الأربعاء في 4 أيار/مايو 2014، حاول البعض الدفاع عن العميل زياد الحمصي، وكأنّ العمالة أصبحت وجهة نظر، قبل أنْ يحسم المُفتي الميس الأمر قائلاً: "المُؤلّف هو ابني، وضيف الأزهر، وهذه ليست المرّة الأولى التي يُوقّع فيها كتاباً فيها"، خاتماً: "إلعبوا غيرها".
تلك الحادثة كان يُراد منها فتنة، نجح المُفتي الميس بوأدها، كما أفشل العديد من الفتن والمكائد، وأبطل مفاعيل الألغام، بحكمته ودرايته، وبُعد بصيرته، ونظرته الثاقبة، التي امتاز بها على مرّ سنوات عُمُره، رجل دين، ومُربٍّ، ومُؤسّسٍ لدور العلم في أزهر لبنان وفروعه، والجامعات نَهَلوا من علمه بأسلوبه ودرايته، ليتخرّج رجال دين من لبنان والخارج، أضحوا مُنتشرين في أصقاع المعمورة يعملون جاهدين على التقريب بين المذاهب والتعايش الإسلامي - المسيحي.
المحطات مع صاحب السماحة عديدة، ما يلفت إليه الأنظار لنبوغه، فهو علامة في الشريعة والفقه، وأصول الدين، يمتاز ببلاغته ودرايته وعلمه المُقترِن بالأدلة، والمُستند إلى الآيات والأحاديث النبوية والأقوال المأثورة والحكم التي خبرها على مدى السنوات.
تأنس إلى جلسة صاحب الوجه السمح، الذي لا تُفارق الابتسامة ثغره، بحديث مُمتع مُقنع، يُحيط بالجميع بمكانة الأب الطيّب الحنون، يأخذ بأيديهم برأفة، ويشرح لهم سُبُل الحلول الناجعة اكتسبها من تجارب عدّة خلال مسيرته العطرة الحافلة بالمآثر الخيّرة، التي تبقى شواهد تشير إلى تفانيه من أجل الدين والإنسان.
يُسجّل للمُفتي الجليل، صلابته بمواقفه الوطنية، لا يخشى لومة لائم في وجه الظالمين، مُتفانٍ من أجل القضايا التي يُؤمِن بها، عامل على إصلاح ذات البين ووأد الفتن، ملبٍّ نداء المُستجيرين الملهوفين، لم تُغره المناصب أو المراكز، ولم تُبدّله الأيام والسنون، بقي نقياً، تقياً، بقلب طيب أبيض كشعر رأسه، ما أحوجنا لأمثاله.
المُفتي خليل الميس، المولود في بلدة مكسة - قضاء زحلة في البقاع الأوسط في العام 1941، تفتّح وعيه باكراً في منزل والده مُختار البلدة محيي الدين الميس، الذي حضّه على النهل من العلم، فقَصَدَ الأزهر الشريف في القاهرة، التي كانت تعيش أوج المد الناصري بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر، فتخرّج منه في العام 1969.
خلال لقاء مُفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ حسن خالد، أثناء زيارته القاهرة، مع الطلبة اللبنانيين في الأزهر الشريف في العام 1967، لفته الشاب المُتفوّق خليل الميس، فطلب منه العودة إلى لبنان لتولّي إدارة أزهر لبنان في بيروت، لينطلق بمسيرة تطويره مع عدد من المُخلصين.
أضحى المفتي الميس مُقرّباً جدّاً من مُفتي الجمهورية الشيخ حسن خالد، الذي كان يعتمد على حكمة المُفتي الجليل، بحجب الدماء، وتحقيق المُصالحات، في ذلك الكثير من الخطورةٍ على حياته.
رجل دين مُميّز، تدرّج واستحق عن جدارة تبوأ المراكز، عُيِّنَ عُضواً في المجلس الإسلامي الأعلى في العام 1975، قبل أنْ يتم تعيينه مُفتياً لزحلة والبقاع في العام 1985، حيث أنشأ أزهر البقاع في مجدل عنجر، وعمل على تطويره، فتنامى بنيانه مع بركات المُفتي الجليل، وثقة الخيّرين من شخصيات ومُؤسّسات، فأضحى مُؤسّسة بكل ما للكلمة من معنى، تتخطّى لبنان ويُشار إليها بالبنان.
لم يقتصر نشاط صاحب السماحة على البقاع، بل تعدّاه إلى مناطق عدّة، وشهدت منها أكثر من مُناسبة، رعاها المُفتي الميس وتكريم شارك فيه، أقامه مَنْ يكنُّ له كل محبة وتقدير، رجل الأعمال مرعي أبو مرعي، بافتتاح معارض أو تدشين أقسام في أزهر البقاع أو في صيدا.
ولادة المُفتي الميس كانت قبل نكبة فلسطين بـ7 سنوات، وتفتّحت عينيه على قضية أبناء مهد الأوّلين، التي ناضل ودافع عنها في مجالات مُتعدّدة، فكان له رأيه السديد لدى القيادة الفلسطينية، وأخذ بيد أبناء بيت المقدس احتضاناً، فهم من الأرض المُباركة.
هنا أستعيد بعضاً ممّا قاله سماحته خلال رعايته توقيع كتابي "الأوائل على درب فلسطين" في أزهر البقاع، يوم الأحد في 18 تشرين الأول/أكتوبر 2012، وتقديم هدية مقدسية لقبة الصخرة في المسجد الأقصى المُبارك، الذي كان يُمني النفس بالصلاة فيه مُحرراً: "إذا كانت لكل دولة حدود، فإنّ دولة بيت المقدس لا حدود لها، فهي نموذج العيش المُشترك، حيث تتعانق على أرضها المُقدّسة كنيسة القيامة وبيت المقدس... لقد كتب هيثم عن الأوائل، نعم هناك الرقم الأوّل، أوّل مَنْ هبط من السماء إلى الأرض آدم (عليه السلام)، لكن أوّل مَنْ رسم طريق العودة إلى السماء محمد (صلى الله عليه وسلم)".
رَحَلَ المفتي الميس يوم الخميس في 29 تموز/يوليو 2021، عن (80 عاماً) حافلة بالعطاء.
رحم الله صاحب السماحة، وتغمّده بواسع رحمته، وأسكنه فسيح جنانه، وألهم عائلته وأهله ومُحبّيه الصبر الذي كان يحثُّ عليه دائماً.

 

المصدر :جنوبيات