قبل أيام، وقفت أمام المرآة، ولم أكن أبحث عن شيء. لكن عيني توقفت عند شعرة بيضاء جديدة، ثم أخرى، ثم ثالثة. ابتسمت. لم أشعر بالانزعاج كما كنت سأشعر قبل سنوات، بل شعرت أن الزمن يربت على كتفي ويقول: لقد قطعت شوطًا لا بأس به.
وأنا على أعتاب الثامنة والأربعين من عمري، لم يعد الشيب بالنسبة لي عدوًا ينبغي إخفاؤه، ولا علامةً على أفول العمر، بل أصبح وسامًا صغيرًا تمنحه الحياة لمن سار في طرقها، بحلوها ومرها.
في شبابنا، كنا نحلم أن نكبر سريعًا. ثم عندما يبدأ الشيب بالظهور، نحاول بكل الطرق أن نُقنع أنفسنا بأن الزمن لم يمضِ. وكأن المشكلة في لون الشعر، لا في نظرتنا إلى العمر.
الحقيقة أن الشيب لا يسرق الشباب، بل يكشف ما تركته السنوات في أرواحنا. فكل شعرة بيضاء تحمل قصة؛ ليلة قلق على ابن، أو تعبًا في سبيل الرزق، أو خسارة صديق، أو فرحة نجاح، أو درسًا لم يكن بالإمكان تعلمه إلا بعد سقوط مؤلم.
في الثامنة والأربعين، لم أعد أؤمن أن الحياة تُقاس بعدد السنوات، بل بعدد الدروس التي فهمناها. تعلمت أن بعض الناس لا يستحقون كل ذلك الجهد الذي بذلناه لإرضائهم، وأن بعض المعارك كان الانسحاب منها انتصارًا، وأن الاعتذار لا يُنقص من قيمة الإنسان، كما أن التسامح يحرر صاحبه قبل أن يريح غيره.
تعلمت أن الصحة رأس المال الحقيقي، وأن الأسرة التي تحتضنك عند التعب أغلى من أي منصب، وأن الصديق الذي يبقى إلى جانبك في الأوقات الصعبة أثمن من مئات المعارف الذين يصفقون لك في أوقات النجاح.
ومع التقدم في العمر، تتغير قائمة الأمنيات. لم نعد نبحث عن الضجيج، بل عن السكينة. لم نعد نطارد إعجاب الجميع، بل نبحث عن احترام أنفسنا. ولم نعد نقيس النجاح بما نملك، بل بما نستطيع أن نمنحه للآخرين من أثر طيب وكلمة صادقة.
الشيب يعلّم الإنسان التواضع. فهو يذكّره بأن الأيام لا تتوقف لأحد، وأن القوة والصحة والمناصب كلها مراحل عابرة، أما الأخلاق، والذكر الطيب، وما يتركه الإنسان في قلوب الناس، فهي التي تبقى.
ولعل أجمل ما يمنحه العمر للإنسان، أنه يجعله أكثر تصالحًا مع نفسه. يتوقف عن مقارنة حياته بحياة الآخرين، ويدرك أن لكل إنسان رحلته الخاصة، وأن الرضا ليس في امتلاك كل شيء، بل في تقدير ما بين يديك.
لا أخشى الشيب، لأنني لا أخشى العمر. أخشى فقط أن تمر السنوات دون أن أكون قد أحسنت استثمارها، أو أن أغادر هذه الدنيا دون أن أترك أثرًا طيبًا، أو كلمةً خففت عن إنسان، أو يدًا امتدت بالعون لمحتاج.
أما الشعر الأبيض… فسأستقبله بابتسامة. فهو لا يخبرني أنني أصبحت أكبر سنًا، بل يذكرني بأن الله أكرمني بأيام عشتها، وتجارب صنعتني، وأشخاص أحببتهم، وآخرين تعلمت منهم، وذكريات ستبقى ما بقي العمر.
فليزهر الشيب كما يشاء… فما دام القلب يحتفظ بإنسانيته، والعقل يزداد حكمة، والروح ما زالت تؤمن بأن القادم من الله خير، فإن العمر ليس عددًا يُكتب في الهوية، بل سيرةٌ يكتبها الإنسان بأخلاقه، ومواقفه، وما يتركه من أثر جميل بعد رحيله.