قد يوقف اتفاقٌ لإطلاق النار القصف، لكنه لا يوقف الموت. وهذا ما تعيشه غزة منذ 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، إذ لم تتحول الهدنة إلى سلام، بل انتقلت الحرب إلى شكل آخر من الاستنزاف والقتل البطيء.
فمنذ بدء وقف إطلاق النار، قُتل أكثر من ألف فلسطيني وأصيب آلاف آخرون في إطلاق نار وغارات متفرقة وانفجارات من مخلفات الحرب، إلى جانب استهداف المدنيين أثناء تنقلهم أو بحثهم عن الغذاء والمساعدات. وبقي الموت حاضرًا في الحياة اليومية، ما يؤكد أن الهدنة لم تكن وقفًا للقتل.
وفي الوقت نفسه، تتفاقم الكارثة الإنسانية مع انهيار النظام الصحي وتدمير المستشفيات أو خروجها عن الخدمة، ونقص الأدوية والوقود والكوادر. كما تنتشر الأمراض المعدية بسبب تلوث المياه وانهيار الصرف الصحي وتراكم النفايات، وسط ظروف معيشية قاسية في مخيمات النزوح والأنقاض.
ويظل الجوع أحد أخطر وجوه المأساة، إذ أصبح الحصول على الغذاء تحديًا يوميًا، فيما يعاني الأطفال من سوء التغذية، وتواجه النساء الحوامل والمرضعات أوضاعًا شديدة الخطورة. ومع استمرار القيود على دخول الغذاء والدواء والمياه، يتحول التجويع إلى أداة حرب لا تقل فتكًا عن القصف.
أما البنية التحتية، فقد تعرضت لدمار واسع شمل شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، والمدارس والجامعات والمرافق العامة. ويعيش مئات الآلاف بين الخيام أو فوق أنقاض منازلهم، بينما تبقى إعادة الإعمار رهينة القيود السياسية.
إن ما يجري في غزة لا يمكن اعتباره مجرد آثار للحرب، بل استمرارًا لها بوسائل أخرى. فحين يُحرم المدنيون من الغذاء والدواء والمأوى، ويُترك الجرحى دون علاج، فإن الحديث عن انتهاء الحرب يبقى بعيدًا عن الواقع. ولا تنتهي الإبادة إلا عندما يتوقف الموت بكل أشكاله، وتستعيد غزة حقها في الحياة والكرامة والأمن.