6 صفر 1448

الموافق

الأربعاء 22-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة من مقام ديني إلى هدف عسكري... لماذا يقاتل الجميع على "علي الطاهر"؟
من مقام ديني إلى هدف عسكري... لماذا يقاتل الجميع على "علي الطاهر"؟
كامل جابر
2026-07-22
من مقام ديني إلى هدف عسكري... لماذا يقاتل الجميع على "علي الطاهر"؟

بعد الصراع الطويل حول قلعة الشقيف جنوب لبنان وأهميتها الاستراتيجية وقيام الجيش الإسرائيلي باحتلالها إلى جانب يحمر الشقيف وأجزاء من زوطر الشرقية وزوطر الغربية وأرنون والقسم الشرقي من كفرتبنيت شمال نهر الليطاني، خرجت إلى العلن أهمية جبل "علي الطاهر" المشرف على مدينة النبطية من ناحيتها الشرقية وعلى قسم كبير من مناطق النبطية وإقليم التفاح وجنوب لبنان.

وقد ترافق الحديث المكثف عن هذا الجبل مع أكثر من هجوم شنه الجيش الإسرائيلي للسيطرة على هذه التلال التي تمتد من أعالي كفرتبنيت الشمالية إلى حدود النبطية الفوقا الشمالية الشرقية وتخوم مدينة النبطية، ثم باتجاه كفررمان جارة المدينة من ناحيته الشمالية الشرقية.

حتى الساعة لم يستطع الجيش الإسرائيلي السيطرة على جبل "علي الطاهر"، فيما أفادت "القناة 13" الإسرائيلية قبل أيام قليلة أن هذه المنطقة تعد نقطة الاحتكاك الرئيسية بين الجيش الإسرائيلي ومقاتلي "حزب الله". بدورها أعلنت إذاعة الجيش الإسرائيلي خلال الـ19 من يونيو (حزيران) الماضي عن مقتل أربعة جنود (بينهم قائد الكتيبة المدرعة 52) وإصابة 17 آخرين إثر كمين استهدف دبابتهم خلال التقدم نحو علي الطاهر.
 

معارك السيطرة العسكرية والمعنوية

أعلن الجيش الإسرائيلي أكثر من مرة بأنه سيطر على تلال علي الطاهر التي توازي من حيث أهميتها الاستراتيجية قلعة الشقيف شرق مدينة النبطية. لكن هذه التلال لم تزل تتعرض لغارات من الطائرات الحربية الإسرائيلية والمسيرة ولقصف بالمدفعية الثقيلة يكاد لا يتوقف. ولاحقاً انتشرت مقاطع فيديو مرفقة بتصريحات إعلامية توثق علماً إسرائيلياً يرفرف فوق تلال علي الطاهر، قيل إن الجيش الإسرائيلي قام برفعه على التلة، قبل أن تفيد تقارير إخبارية بأن العلم تم تثبيته بواسطة مسيرة إسرائيلية ولا تواجد عسكري مباشر للجيش الإسرائيلي فوق علي الطاهر.

هذا الأمر لم ينف محاولات إسرائيلية عديدة للسيطرة على التل بعدما تقدمت قواتها من ناحية يحمر الشقيف وأرنون فكفرتبنيت التي يقع التل إلى ناحيتها الشمالية لكن هذه المحاولات لم تفلح حتى الساعة، وتحدثت وسائل إعلام ناطقة باسم الجيش الإسرائيلي عن "خضوع مرتفعات علي الطاهر الاستراتيجية بشكل تام لسيطرة الجيش الإسرائيلي بعد محاصرة منشأت وأنفاق تحت الأرض يتواجد فيها عشرات من مقاتلي "حزب الله".

في المقابل نفى الحزب ما أسماه "هذه المزاعم" مؤكداً أن "الجبل لا يزال تحت سيطرته وخارج الاحتلال".

موقع إسرائيلي سابق

بالعودة عقود إلى الوراء نجد أن المحاولات الإسرائيلية للسيطرة على تلال علي الطاهر لم تكن في سياق السيطرة العادية بعد احتلالها جنوب لبنان في اجتياح عام 1982، وانكفائها عن منطقة النبطية في الـ11 من أبريل (نيسان) 1985. فقد أقامت قواتها موقعاً استراتيجياً لها في المقام إلى جانب موقعين آخرين يقعان شماله ويشرفان على النبطية وكفررمان وعربصاليم في إقليم التفاح، هما "الدبشة" شرق النبطية و"الطهرّة" شرق كفررمان وجنوب عربصاليم.

وبغية إقامة استحكامات عسكرية ولوجستية جرف الجيش الإسرائيلي محيط المقام وطمره ليقيم فوقه مجموعة من التحصينات الإسمنتية والحديدية. وكانت مهام جنود هذا الموقع والمواقع المرادفة الأخرى شماله مراقبة النبطية والنبطية الفوقا وكفرتبنيت وكفررمان.

ولم يتوان هذا الموقع العسكري مئات المرات عن قصف مدينة النبطية والمناطق التي تقع تحت سيطرته المباشرة مما أوقع عديداً من الضحايا منها ما عرف بـ"مجزرة الباص المدرسي" في يوم عيد الأم الـ21 من مارس (آذار) 1993 عندما قصفت مدفعية هذا الموقع النبطية وأصابت باصاً مدرسياً يقل تلامذة وأطفالاً خلال عودتهم من مدارسهم فوقعوا ضحايا ومصابين.

فيما تعرض موقع الدبشة المحاذي لتلة "علي الطاهر" وكانت تتمركز فيه قوة من لواء "جفعاتي" خلال الـ29 من أكتوبر (تشرين الأول) 1994 إلى هجوم نفذه مقاتلون من "حزب الله" فتمكنوا من اقتحامه والسيطرة عليه، ثم الانسحاب منه بعد زرع عبوات ناسفة موثقين العملية بشريط فيديو مصور لكامل التفاصيل.

هذه العملية مع الصور أحدثا صدمة كبيرة في حينه داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وأثارا نقاشات واسعة حول أداء الجنود المكلفين بحماية الموقع الذي يشكل مع الطهرة جزءاً من المنظومة الدفاعية لموقع علي الطاهر فضلاً عن الإسناد والمراقبة.

بعد الانسحاب الإسرائيلي من جبل علي الطاهر و"معبر كفرتبنيت" والمواقع المجاورة وكذلك من قلعة الشقيف في مايو (أيار) عام 2000 وجد قاصدو المقام أن القوات الإسرائيلية غيرت معالمه وبنيانه وآثاره وأحدثت فيه فجوات وخراباً، وهدمت قبته ونهبت مقتنياته، وأقامت فوق سطحه دشماً إسمنتية محصنة ومسلحة، وضعت في داخلها مربض مدفع كانت تقصف من خلاله النبطية ومنطقتها.
 

أهمية عسكرية استراتيجية

يتمتع تل علي الطاهر مع ما يحوطه من أحراج ومناطق صخرية وعرة بأهمية استراتيجية عالية توازي أهمية قلعة الشقيف، إذ يرتفع نحو 600 متر عن سطح البحر بينما تتفوق عليه القلعة بـ100 متر إضافية. وفي المفهوم العسكري للتل مكانة استراتيجية تقارب بقيمتها العسكرية والجغرافية قلعة الشقيف التي يحاكيها من شمالها الغربي، وتبعد عنه نحو ثلاثة كيلومترات.

يطل الجبل على شمال إسرائيل ومناطق مرجعيون وحاصبيا وبعض مناطق بنت جبيل، إلى عديد من قرى وبلدات النبطية. والسيطرة عليه تعني السيطرة التامة على النبطية ومنطقتها، فهو لا يبعد عنها كثيراً ويستطيع التحكم بكل حركة فيها، فضلاً عن كشفه بالمراقبة جميع المناطق التي تمتد من حدود النبطية إلى الساحل الغربي في صيدا والزهراني وصولاً إلى منطقة صور.

ومنذ حربه الأخيرة التي بدأت في الثاني من مارس الماضي، عمد الجيش الإسرائيلي إلى قصف التل وجواره بمختلف أنواع القذائف المدفعية، ومنها القذائف الفوسفورية الحارقة والمحرمة دولياً، ونفذ عشرات الغارات بالطائرات الحربية وأحزمة نارية وبالطائرات المسيرة، ثم حاول التقدم لاحتلال "موقع" علي الطاهر من ناحية يحمر (الشقيف) نحو قلعة الشقيف وأطراف أرنون باتجاه كفرتبنيت عبر ممرات سابقة كان يعتمدها جيش العدو في إبان احتلاله للمنطقة والتلال بين 1985 و2000.

تنتشر في الجبل أحراج كثيفة من شجر السنديان والبلوط المعمر، لذا يعتبره الجيش الإسرائيلي مقراً في باطنه أنفاق عسكرية يستخدمها مقاتلو "حزب الله" في المواجهات المتبادلة، وفي إطلاق مئات الطائرات المسيرة. وهو كان قد قام بقصفه مراراً وتكراراً في حرب الـ66 يوماً بين سبتمبر (أيلول) ونوفمبر (تشرين الثاني) 2024، وقبلها أو بعدها، وشن عليه سلسلة غارات وأحزمة نارية ليلاً ونهاراً.
 

المقام الديني علي الطاهر

في المنحى الديني، كان مرقد الولي الطاهر قبل اجتياح 1982 يستقطب عائلات من الجوار والمنطقة المحيطة، وتحديداً من كفرتبنيت وأرنون ويحمر والنبطية الفوقا والنبطية التحتا والزوطرين الغربية والشرقية ومن قرى الجوار، فتتوافد إليه في المناسبات الدينية وتقيم احتفالات وطقوس بعد الصعود إليه سيراً على الأقدام من جهة كفرتبنيت بدروب وعرة.

وكان بعضهم من الميسورين ينتقلون إليه فوق الدواب والبغال والخيول كي يصلوا باكراً من دون تعب، وبعد انتهاء الاحتفالات كان الجميع يعودون إلى بيوتهم مع ساعات الفجر وبداية شروق الشمس. وكان المقام شاهداً على زيارات عائلات من الجوار وكذلك من مناطق بعيدة لإيفاء النذور والتبرك به بعد إيقاد القناديل التي تعمل بواسطة مادة "الكاز" وكذلك الشموع.

وفي الأصل كان الموقع مزرعة قديمة تحمل اسم الولي الذي شيد له مقام فوق الجبل ويعرف بمقام "علي الطاهر". ثمة قيمة دينية يفردها المقام من أعلى التل  تعود إلى نحو 300 عام ويردد البعض أنها تعود إلى نحو 600 عام.

تاريخياً، وُصف المقام بأنه يقع في "بلاد الشقيف" في جبل عامل، وعليه قبة، وقد رممه الحاج علي هلال عام 1180 هجري (بين 1766- 1767 ميلادي)، وكان يسمى بـ"مقام علي الطاهر"، ويدير أوقافه السادة من آل نور الدين في النبطية الفوقا. وذكره الرحالة الأميركي أدوارد روبنسون(1794 - 1863)  في رحلته الثانية إلى لبنان في عام 1852، إذ لفت إلى أن "في غرب الجرمق (جزين) يقع مقام الولي الطاهر". وهو كذلك معلم، ذكره السيد محسن الأمين (1867 – 1952) في كتابه "خطط جبل عامل"، والشيخ إبراهيم سليمان (1910- 2004) في كتابه "بلدان جبل عامل" (1995)، والشيخ جعفر المهاجر في كتابه "ستة فقهاء أبطال" (1994).

تكثر في منطقة جبل عامل في جنوب لبنان المقامات المنسوبة إلى أولياء وصالحين وشخصيات دينية ارتبطت بالذاكرة المحلية، وتكاد كل بلدة أو مدينة لها شفيعها و"وليها"؛ ويُعد مقام علي الطاهر واحداً من هذه المقامات التي يمتزج فيها التاريخ بالرواية الشعبية. لكن علي الطاهر يتفوق على ما عداه بموقعه المرتفع الاستراتيجي الذي يوازي بأهميته موقع تل العويضة بين عديسة والطيبة (مرجعيون) في المنطقة المحتلة الصفراء ويطل من ارتفاعه على المستوطنات الإسرائيلية الشمالية، وهو أحد النقاط الخمس التي احتلتها إسرائيل في حرب 2024.

هرباً من السلطات

يقول الباحث الأنثروبولوجي والأستاذ في المعهد العالي للدكتوراه بالجامعة اللبنانية ​يوسف طباجة إن "علي الطاهر ولي من أولياء جبل عامل الصالحين. ثمة ذكر له في مصادر معينة. ​ولكن، ما شاع عند الناس أنه هو أحد أولياء المنطقة، ويبدو أنه كان ملاحقاً من السلطات الحاكمة وهذا ديدن معظم الأولياء، فصعد إلى هذا الجبل وأقام فيه. وثمة نص لولي يدعى هو الآخر علي الطاهر إنما في منطقة صور الساحلية (جنوب)، لكن لا ربط بينهما".

​ويضيف طباجة "في خرائط المساحة، جبل علي الطاهر يضم المقام ومجموعة من البيوت حوله. ​يبدو أنها كانت مزرعة، وكان الوصول إليها يحتاج إلى جهد، إذ لا طرقات سالكة نحو هذا المرتفع، والصعود مشياً يحتاج إلى تسلق أو فوق الدواب. والحرج حوله قديم جداً وتاريخي أكثر شجره من البلوط والسنديان وثمة أشجار معمرة أكثر من 100 عام. وفي بحث أجريته سابقاً للمنطقة فوق التل، لم تكن هناك آثار معروفة بل كانت هذه المرتفعات مزارع كلها تمتد من مقام علي الطاهر وصولاً إلى مرتفع كفررمان المعروف باسم الطهرّة وهي مرتفعات غير منفصلة، ومن كان يسكنها إنما هرباً من السلطات، ربما من المماليك أو من حكم العثمانيين".
 

في وصف التل

يصف الباحث طباجة التل قائلاً "كنا أطفالاً عندما صعدنا إلى جبل علي الطاهر، مثلاً في حرب عام 1973 بين إسرائيل والدول العربية (سوريا ومصر) وكنت في الـ12 من عمري، كنا نصعد إلى الجبل كي نشاهد المعارك التي تحصل فوق الجولان السوري والمواجهات بين طائرات الطرفين، وكذلك عندما تحصل معارك في منطقة العرقوب (قرى حاصبيا) بين الإسرائيليين والقوى الفلسطينية".

ويتذكر طباجة أن "هناك ساحة جميلة قرب المقام كنا نلعب في رحابها، لكن الإسرائيليين خربوها لاحقاً، وكانت ثمة مناطق حرجية جميلة فوق التل وبخاصة باتجاه تلة الدبشة القريبة. لقد شوه الإسرائيليون كامل المنطقة عندما سيطروا عليها بعد عام 1985، إثر انسحابهم من النبطية ومنطقتها وإقامة شريط من المواقع فوق التلال المشرفة على المنطقة التي انسحبوا منها، من مرتفعات إقليم التفاح إلى جوار بلدة الناقورة في القطاع الغربي جنوب مدينة صور، وبينها قلعة الشقيف القريبة من علي الطاهر، وبقيت كذلك إلى تاريخ الانسحاب عام 2000".

ويوضح طباجة "طمر الإسرائيليون المقام وجعلوه دشماً محصنة. قبة المقام لم تزل موجودة إنما طمرها الإسرائيليون تحت الردم، وثمة قوس حجري جميل كان يفضي إلى داخل المقام. ولحسم كثير من المعلومات المجهولة يجب أن تقام حفريات بحثية أنثروبولوجية في المنطقة فربما نجد بقايا عظام ولقى أثرية تحدد الفترة الزمنية التي يعود إليها المقام بدقة".

ويشير طباجة إلى أن "تلة علي الطاهر مع تلة قلعة الشقيف، والمنخفض الواضح بينهما، تشكل جميعها أحد مسارب الهواء البارد الذي يتدفق من أعالي جبل الشيخ إلى منطقة الساحل الشامي في جنوب لبنان".

اندبندنت عربية
أخبار مماثلة