22 ربيع الأول 1448

الموافق

السبت 05-09-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة "علي الطاهر" ذريعة لاستمرار الاحتلال
"علي الطاهر" ذريعة لاستمرار الاحتلال
محمد دوغان
2026-09-05
"علي الطاهر" ذريعة لاستمرار الاحتلال

منذ أشهر، تحاول إسرائيل أن تصنع من تلة علي الطاهر أكثر من مجرد موقع عسكري. تارةً تصفها بأنها منصة تهديد للجليل، وتارةً تتحدث عن أنفاق ومراكز قيادة تحتها، واليوم تقدّم السيطرة عليها باعتبارها إنجازاً استراتيجياً كبيراً.

لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح بصراحة: هل كل هذه الأهمية لعلي الطاهر نابعة من قيمتها العسكرية، أم أن إسرائيل تضخّم قيمة التلة لتبرير مشروع أبعد من التلة نفسها؟

نعم، علي الطاهر مرتفع مهم عسكرياً. ارتفاعها الذي يقارب 600 متر وموقعها المشرف على أجزاء واسعة من منطقة النبطية وإقليم التفاح يمنح من يسيطر عليها أفضلية في الرصد والإشراف الناري. وهذه حقيقة جغرافية لا تحتاج إلى دعاية.

لكن تحويل هذه الحقيقة إلى مقولة إن «علي الطاهر مفتاح الجنوب» أو أن السيطرة عليها تعني إنهاء خطر حزب الله، هو أمر آخر. فالتلة ليست جيشاً، والمرتفَع ليس منظومة عسكرية كاملة.

في بيئة جبلية معقّدة كجنوب لبنان، لا تحسم الحرب قمة واحدة. أهميتها تتحدد ضمن شبكة من المرتفعات والوديان والمواقع والأنفاق ووسائل الاستطلاع والنيران. ولذلك فإن تضخيم قيمة الموقع يخدم قبل كل شيء الرواية السياسية للعملية.

والأخطر أن التصريحات الإسرائيلية الأخيرة تكشف أن المسألة تتجاوز التلة. فوزير الدفاع الإسرائيلي أعلن أن السيطرة على مرتفعات علي الطاهر تستكمل ما تسميه إسرائيل «المنطقة الأمنية»، وقال إن القوات لن تنسحب منها قبل نزع سلاح حزب الله. وهنا تحديداً تظهر الحقيقة.

إذا كانت علي الطاهر مجرد هدف عسكري لمنع تهديد، فلماذا أصبح الانسحاب منها مرتبطاً بنزع سلاح حزب الله؟

هذا لم يعد حديثاً عن تلة. هذا حديث عن مشروع سياسي يختبئ خلف هدف عسكري. إسرائيل تريد تثبيت وجودها في سلسلة من المرتفعات اللبنانية، ثم تحويل هذا الوجود إلى أمر واقع تفاوضي. وبمعنى آخر: احتلال الأرض أولاً، ثم البحث عن المبرر السياسي لبقاء الاحتلال.

أما الحديث المتكرر عن «المنطقة الأمنية»، فهو التعبير الأكثر خطورة في هذه المعادلة؛ لأن المنطقة الأمنية التي تُفرض داخل أرض دولة أخرى بالقوة ليست منطقة أمنية بالمعنى المحايد، بل واقع احتلال يحتاج إلى تسوية سياسية وقانونية.

ومن هنا يمكن فهم إصرار حزب الله على منع تثبيت الوجود الإسرائيلي في علي الطاهر. فالمسألة بالنسبة إليه ليست الدفاع عن تلة فحسب، وإنما منع إسرائيل من نقل خطها الأمني إلى عمق الجنوب اللبناني.

وقد شهدت الرواية حول السيطرة على الموقع تضارباً منذ حزيران؛ إذ أعلنت إسرائيل سابقاً السيطرة على المرتفعات، بينما نفى حزب الله ذلك، ونقلت تقارير آنذاك عن مصدر عسكري لبناني أن الواقع الميداني لم يتغير. وفي 3 أيلول أعلنت إسرائيل مجدداً إحكام السيطرة العملياتية على المنطقة. أما «رويترز» فأشارت في 4 أيلول إلى عدم وجود تحقق مستقل من الوضع الكامل للمرتفع.

وهذا بحد ذاته يستوجب الحذر من الحرب الإعلامية المرافقة للحرب العسكرية. فإسرائيل لا تحتاج فقط إلى السيطرة على الأرض؛ تحتاج أيضاً إلى إقناع الداخل الإسرائيلي بأن كل تلة احتلتها كانت «ضرورة استراتيجية»، وإقناع الخارج بأن وجودها داخل لبنان هو دفاع مشروع وليس توسعاً جغرافياً. لكن التاريخ يقول إن الاحتلال يبدأ غالباً من عبارة بسيطة: «نحتاج إلى هذه المنطقة لأسباب أمنية». ثم تصبح المنطقة خطاً أمنياً. ثم يصبح الخط حدوداً واقعية. ثم يصبح الانسحاب مشروطاً. وهذا هو الخطر الحقيقي في علي الطاهر.

إسرائيل لا تقاتل على ارتفاع 600 متر فقط؛ إنها تقاتل لتحديد أين يبدأ أمنها داخل الأراضي اللبنانية، ولبنان يقاتل سياسياً وعسكرياً لمنع تحويل هذا التعريف إلى حدود جديدة. لذلك، قد تكون علي الطاهر مهمة عسكرياً، لكن قيمتها السياسية اليوم أكبر بكثير من مساحتها.

وإذا كانت إسرائيل تريد فعلاً استخدامها كجزء من «منطقة أمنية» دائمة، فإن المبالغة في أهميتها ليست سوى الغطاء الإعلامي لمعركة أكبر: معركة إعادة رسم جنوب لبنان بالقوة.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا تريد إسرائيل علي الطاهر؟ بل: ماذا تريد إسرائيل أن تفعل بعد علي الطاهر؟

وهنا تكمن القصة كلها.

اللواء
أخبار مماثلة