8 صفر 1448

الموافق

الجمعة 24-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

ثقافة وفن ومنوعات منوعات وثائقي "من بقي حيّاً"... غزة بخط أبيض على أرض سوداء
وثائقي "من بقي حيّاً"... غزة بخط أبيض على أرض سوداء
2026-07-24
وثائقي "من بقي حيّاً"... غزة بخط أبيض على أرض سوداء

 

كيف يمكن لفيلم عن غزة ألا يُظهرها؟ وكيف يمكن لذاكرة مدينة مُدمّرة أن تُستعاد من دون صورة واحدة للدمار؟ هذا هو التحدي الذي يضعه الفيلم الوثائقي "من بقي حيّاً" (Who Is Still Alive) أمام مشاهده. فبدلاً من الاعتماد على الأرشيف أو مشاهد الحرب التي أصبحت مألوفة في تغطيات الأخبار، يختار مخرج الفيلم، السويسري نيكولا واديموف (Nicolas Wadimoff) أنّ يجعل المكان الغائب بطلاً للحكاية.

لا يبقى من غزة سوى خطوط بيضاء تُرسم على أرض سوداء، ولا يبقى من البيوت سوى ما يحتفظ به أصحابها في ذاكرتهم، فالفيلم يحاول استعادة العلاقة بين الإنسان والمكان بعد أن أصبح هذا الأخير مفقوداً، ويطرح سؤالاً يتجاوز غزة نفسها: ماذا يتبقى من المدينة عندما تختفي، وهل تستطيع الذاكرة وحدها أن تحل محل الصورة؟

يُعرض الفيلم الوثائقي السويسري "من بقي حيّاً" ضمن مسابقة الأفلام الوثائقية في مهرجان القدس للسينما العربية الذي ينطلق في الـ28 من الشهر الحالي، بعد جولة في عدد من أبرز المهرجانات الدولية.

شهد الوثائقي عرضه العالمي الأول ضمن قسم جيورناتي ديلي أوتوري الموازي لمهرجان البندقية السينمائي، قبل أن يشارك في مهرجانات ساو باولو والقاهرة ودوكسا، ويحصد جائزة بري دو سولور (Prix de Soleure) في مهرجان سولوتورن السويسري.

تنطلق كل حكاية في وثائقي "من بقي حيّاً" من بيت أو شارع أو حي اختفى

يكمل "من بقي حيّاً" مساراً سينمائياً كرّسه واديموف لتوثيق الحياة والذاكرة في قطاع غزة، بعد فيلم "عايشين (ما زلنا أحياء في غزة)" (2010)، الذي رصد الحياة اليومية في القطاع بعد الحرب، و"أبولو غزة" (2018)، الذي اتخذ من اختفاء تمثال أثري مدخلاً لقراءة تاريخ غزة وهويتها، قبل أن ينتقل في عمله الجديد إلى استعادة المدينة عبر ذاكرة من فقدوها.

لا يبدأ "من بقي حيّاَ" بصور الحرب أو أرشيف القصف والدمار، بل يختار طريقاً مختلفاً عن معظم الأفلام الوثائقية التي تناولت غزة. داخل استوديو خالٍ تقريباً لا يضم سوى أرضية سوداء، يرسم تسعة فلسطينيين باللون الأبيض خرائط الأحياء والشوارع والبيوت التي عاشوا فيها، ثم يقفون داخلها ليستعيد كل منهم حكايته.

يعتمد الوثائقي على الشهادات أكثر من اعتماده على الصورة؛ فلا ديكورات، ولا إعادة تمثيل، ولا لقطات أرشيفية، بل مساحة فارغة يبني فيها المشاركون صورتهم عن غزة بالكلمات والذاكرة. يمنح هذا الاختيار الفيلم طابعاً أقرب إلى المسرح منه إلى الوثائقي التقليدي، من دون أن يغيب دور المخرج الذي يحدد إيقاع السرد وترتيب القصص واختياراتها.

ويضم الفيلم شهادات جودت الخضري، ومحمود جودة، وعادل الطويل، وحنين حرارة، وملاك خضرة، وهناء العيوة، وفراس الشرفي، وإيمان شنان، وغادة العبادلة، وهم رجال ونساء من خلفيات وأعمار مختلفة، يجمعهم فقدان المكان والنزوح عنه. ولا يقدمهم الفيلم ممثلين لخطاب سياسي، بل أشخاصاً يستعيدون تفاصيل حياتهم اليومية؛ البيوت التي عاشوا فيها، والعائلات التي فقدوها، والأحياء التي اختفت تحت الحرب. ومن خلال هذه الشهادات، تتشكل صورة غزة من تجارب فردية متجاورة.

لا يضيف الفيلم معلومات جديدة عن غزة، ولا يبدو أن هذا هو هدفه أصلاً. فقصص الفقد والنزوح التي يرويها المشاركون سبق أن وثقتها أفلام وشهادات وتقارير كثيرة. ما يميزه هو أنه يغيّر زاوية السرد؛ فبدل أن يبدأ بالحرب، يبدأ بالمكان، ويجعل كل حكاية تنطلق من بيت أو شارع أو حي اختفى. ومع امتداد الفيلم إلى 114 دقيقة، تتوزع مساحة السرد على الشخصيات التسع، فلا تحظى جميعها بالقدر نفسه من التفصيل.

وصُوِّر الفيلم في استوديو في جنوب أفريقيا، خصوصاً أنها كانت من البلدان القليلة التي استطاع عدد من المشاركين الوصول إليها. ولم يفرض هذا الظرف مكان التصوير فحسب، بل انعكس أيضاً على شكل الفيلم، الذي استبدل المواقع الحقيقية بخرائط يرسمها أصحابها قبل أن يرووا ما عاشوه فيها قبل حرب الإبادة التي يشنّها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة.

يفتح "من بقي حيّاً" نقاشاً حول علاقة الإنسان بالمكان، وحدود الصورة في مواجهة الغياب، والدور الذي تستطيع السينما أن تؤديه عندما يصبح التذكر هو الشكل الوحيد الممكن للمقاومة.

أخبار مماثلة