بحسب صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، لا تزال القوات الاسرائيلية تنتظر منذ أيام الحصول على موافقة المستوى السياسي لتفجير الأنفاق الممتدة على طول قلعة الشقيف – أرنون. ومن المتوقع أن يتسبّب هذا التفجير بحدوث هزة أرضية تراوح قوتها بين 3,4 و3,7 درجات على مقياس ريختر.
في 31 أيار 2026، أعلن الجيش الإسرائيلي سيطرته على قلعة الشقيف في جنوب لبنان. قلعة تعود أساساتها إلى العهد الروماني وعمرها يتجاوز 900 عام، تقع على تلة صخرية ترتفع أكثر من 700 متر فوق سطح البحر، على بُعد كيلومتر واحد جنوب شرق بلدة أرنون في محافظة النبطية. موقعها يمنحها إطلالة تمتد من جنوب لبنان حتى شمال إسرائيل، على بُعد 6 كيلومترات فقط من مستوطنة المطلة وإصبع الجليل، كما تُشرف على نهر الليطاني من الجهة الشرقية.
خطر من نوع آخر
اليوم، تتعرّض هذه القلعة لخطر من نوع آخر: تفجير شبكة أنفاق تابعة لحزب الله تمتد تحتها، كشف عنها الجيش الإسرائيلي. وبحسب صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، لا تزال القوات تنتظر منذ أيام الحصول على موافقة المستوى السياسي لتفجير الأنفاق الممتدة على طول القلعة. ومن المتوقع أن يتسبّب هذا التفجير بحدوث هزة أرضية تراوح قوتها بين 3,4 و3,7 درجات على مقياس ريختر.
القلعة بُنيت على الصخر. لكن التفجير سينطلق من باطن الصخر نفسه. فهل الجيولوجيا التي أعطت الشقيف قوتها يمكن أن تكون سبب سقوطها؟
فالق روم الزلزالي
يوضح الخبير الجيولوجي واختصاصي علم الزلازل الدكتور طوني نمر، لـ”النهار”، أن الخطر الأساسي في هذا التفجير يكمن في قرب قلعة الشقيف من فالق روم الزلزالي. فالوادي الممتد تحت القلعة هو نفسه من نتاج حركة هذا الفالق عبر العصور الجيولوجية، ما يعني أن التفجير سيحدث في قلب منطقة نشطة زلزالياً.
يشرح نمر الآلية: “عندما تحدث تفجيرات قريبة من الفوالق الزلزالية، تولّد اهتزازات وتغيّر الضغوط في الأرض. هذه الاهتزازات حين تصل إلى الفوالق تؤثر على حركتها وتحوّلها من حركة صغيرة إلى حركة أكبر، وهذا ما يُسمّى استحثاثاً للحركة الزلزالية”. بمعنى آخر: انفجار كبير يولّد موجات وضغوطات، تستحثّ الفوالق، فتنتج هزة قد تتجاوز ما هو محسوب.
الصخور التي تقوم عليها القلعة كلسية، والقلعة تقع على رأس الجبل مع سفح مكشوف إلى جانبها. يؤكد نمر أن خطر الانزلاق “معقول بحسب قوة التفجير، والسفح الذي بجانبها ممكن أن ينهار بالكامل، والموضوع مرتبط بقوة التفجير”. أما المياه الجوفية والتربة فقد تتأثر بشكل مباشر، إذ إن التفجير بحسب عمقه قد يعرّض المجاري المائية للخطر، فضلاً عن “ضرر صامت” تحت الأرض ناتج عن تفاعل بقايا التفجيرات مع المياه والتربة، ما قد يُصيب النظام البيئي المحيط.
ويلفت نمر إلى أن “أخطر فترة هي لحظة التفجير وبعدها بساعات”، وأن الخطر يتراجع كلما ابتعدنا زمنياً عن لحظة الانفجار. كما يشير إلى أن بديلاً أقل خطورة موجود: “ممكن أن يُستبدَل التفجير بإغلاق هذه الأنفاق بالإسمنت”، وهو خيار لا يُحدث اهتزازات ولا يهدّد الفالق.
لكن حتى لو وُجد البديل، يبقى السؤال: هل تلتزم إسرائيل بحماية موقع أثري تعترف به المنظمات الدولية؟ وما الذي يقوله القانون الدولي واليونسكو عن تدمير معلم عمره 900 عام؟
حماية دولية… على الورق
قلعة الشقيف ليست موقعاً مهجوراً بلا سند قانوني. في أيلول 2025، أدرجها لبنان رسمياً على القائمة التمهيدية لمواقع التراث العالمي ضمن ملف “قلاع جبل عامل”، واليونسكو تعترف بها كواحدة من أفضل القلاع الصليبية المحفوظة في غرب آسيا. وهذا الأسبوع، يُنتظر أن تصوّت المنظمة على إعلانها موقعاً تراثياً في خطر، فيما يقود المدير العام للآثار سركيس خوري وفداً لبنانياً إلى كوريا الجنوبية للدفاع عن ترشيحها.
قانونياً، اتفاقية لاهاي لعام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية في النزاعات المسلحة، التي وقّعتها إسرائيل، تنصّ على أن “أي ضرر يلحق بالممتلكات الثقافية هو ضرر بالتراث الثقافي للبشرية جمعاء”. كما يُصنّف نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية استهداف المعالم التاريخية غير المستخدمة كأهداف عسكرية جريمةَ حرب.
غير أن إسرائيل تتمسّك باستثناء “الضرورة العسكرية القاهرة” الوارد في الاتفاقية نفسها، وتحاجج بأن حزب الله هو من أسقط الحماية عن القلعة حين حوّلها إلى بنية عسكرية. لكن هذا الاستثناء صُمّم لحالات الطوارئ الفورية في خضم المعارك، لا لتفجير مُخطط ينتظر منذ أيام موافقة سياسية.
هذا المكان شهد حروباً وسيطرت عليه ثقافات مختلفة عبر تسعة قرون: صليبيون، أيوبيون، مماليك، عثمانيون. في كل مرة تغيّر العلم فوقها، لكن الحجر بقي.
اليوم، السؤال مزدوج ولا يمكن تجاهل أي من طرفيه: لماذا بُنيت أنفاق عسكرية تحت موقع أثري بهذه القيمة؟ ولماذا يُختار التفجير وسيلةً لتدميرها رغم وجود بدائل أقل ضرراً؟ من يتحمّل المسؤولية: من حوّل القلعة إلى موقع عسكري، أم من يستعد لنسف ما تحتها بعلم أنها إرث إنساني لا يُعوَّض؟