8 صفر 1448

الموافق

الجمعة 24-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "شهادةُ المظلوم"!
"شهادةُ المظلوم"!
القاضي م جمال الحلو
2026-07-24
"شهادةُ المظلوم"!

ليس الظلمُ حادثةً عابرةً تُطوى مع الأيام، ولا هو كلمةٌ تُمحى باعتذار، ولا خسارةٌ تُعوَّض بمالٍ أو منصب. إنَّه زلزالٌ إذا أصاب قلبَ الإنسان هدم من داخله ما لا تُرمِّمه السنون، وترك في روحه شقوقًا لا يلتئم صدعُها إلا بعدلٍ يردُّ الحقوق إلى أهلها، أو بقضاءٍ من الله، الحكمِ العدل، الذي لا يضيع عنده حقٌّ، ولا تغيب عن علمه دمعةُ مكلوم، ولا أنَّةُ مظلوم.

إنَّ الظلم لا يبدأ حين يُسلب المال، ولا ينتهي عند اغتصاب حقٍّ أو انتزاع منصب؛ بل يبدأ يوم يُسلب الإنسان أمنَه، ويُغتال يقينُه، وتُطفأ في قلبه سكينةُ العيش. هو اغتيالٌ للأعمار، ووأدٌ للآمال، وتشريدٌ للأرواح وهي ما تزال تسكن الأجساد. وما أقسى أن يرى المرءُ حقَّه بين يدي غيره، لا لأن الحجة خذلته، ولا لأن البرهان خانه، بل لأن الهوى لبس ثوب القانون، والباطل تزيَّا بزيِّ الحق، حتى خُيِّل للناس أن العدل قد نطق، وما نطق إلا الجور.

وإذا كان الظلم مذمومًا في كل موطن، فإنه يبلغ غايةَ بشاعته حين يصدر ممَّن أُقيموا لحراسة العدالة. فالقضاء ليس منصبًا تُزيِّنه الألقاب، ولا سلطةً يتعالى بها صاحبها على الناس، وإنما هو أمانةٌ عظيمةٌ، لو عُرض ثقلُها على الجبال لأشفقت منها. والقاضي ليس مالكَ الحقوق، وإنما هو أمينٌ عليها؛ فإن حفظها ارتفع ذكرُه في الدنيا والآخرة، وإن خانها كان أوَّلَ خصومه يوم القيامة أولئك الذين حكم عليهم بغير الحق.

وليس في الأرض سلاحٌ أشدُّ خطرًا من قلمٍ يكتب الظلم باسم العدالة؛ فالسيف قد يقتل رجلًا، أما الحكم الجائر فقد يهدم بيتًا، ويُشرِّد أسرةً، ويُيتم أطفالًا، ويزرع في القلوب جراحًا تمتد آثارُها إلى أجيالٍ لا ذنب لها. وربَّ دمعةٍ أراقها حكمٌ ظالم كانت عند الله أعظمَ من قصورٍ شُيِّدت، وأثقلَ في الميزان من كنوزٍ جُمعت.

وقد يغترُّ الظالم بما بين يديه؛ يرى المال حصنًا، والمنصب ملاذًا، والنفوذ بابًا للإفلات من الحساب. غير أن هذه كلها أوهامٌ لا تصمد أمام سنن الله. فما أكثرَ من ملأوا الأرض صخبًا، ثم صاروا حديثًا يُروى، وعبرةً تُتلى، ولم يبقَ من سلطانهم إلا ذكرُ ظلمهم، ولا من قصورهم إلا آثارٌ تشهد على أن القوة إذا تجردت من العدل كانت أولَ أسباب الهلاك.

إن دعوةَ المظلوم ليست صوتًا يضيع في فضاء الكون، وإنما هي زفرةُ قلبٍ انكسر تحت وطأة الجور، فتشقُّ حجب السماء حتى تبلغ ربَّ العالمين. والله سبحانه لا ينسى أنينًا خرج من صدرٍ موجوع، ولا دمعةً سالت من عينٍ قهرها الظلم، ولا حقًّا سُلب من صاحبه، وإن تأخر ميعادُ ردِّه. فقد يُمهل الله الظالم، ولكنه لا يُهمله، ويؤخر الحساب، ولكنه لا يُسقطه، حتى إذا جاء يوم الفصل، تهاوت كلُّ الحُجُب، وسقطت الأقنعة، وتجردت النفوس من كل سلطانٍ إلا سلطان الحق.

ومن الظلم أيضًا أن يُطلب من المظلوم أن ينسى وكأن الذاكرة تُمحى بمحض إرادة، أو أن يُكره على العفو وكأن الصفح واجبٌ على من كُسر قلبه، لا فضلٌ يتفضل به إن شاء. إن العفو منزلةٌ سامية، لكنه لا يكون إلا اختيارًا حرًّا يصدر عن نفسٍ استعادت كرامتها، ورأت من المسيء توبةً صادقةً، أما أن يُجعل ستارًا لإدامة الظلم، فذلك ظلمٌ جديد يُضاف إلى ما سبقه.

لقد تعاقبت الأمم، وتبدلت الدول، وسقطت التيجان عن الرؤوس، وغاب الجبابرة الذين ظنوا أن ملكهم لا يزول، فما بقي منهم إلا صفحاتٌ سوداء يقرؤها التاريخ، شاهدةً على أن الظلم لا يصنع خلودًا، وأن الجور وإن طال أمده، فإن نهايته محتومة. أما المظلوم، فقد يرحل من الدنيا مكسورًا، لكنه يقف بين يدي الله مرفوع الرأس، وقد جعل خصمَه بين يدي أحكم الحاكمين.

فيا أيها الظالم، إن أفلتَّ من قضاء الأرض، فلن تُفلت من قضاء السماء. وإن استطعت أن تُسكت الشهود، أو تُزوِّر الوثائق، أو تشتري الذمم، فلن تستطيع أن تحجب الحقيقة عن ربٍّ لا تخفى عليه خافية. سيأتي يومٌ تُردُّ فيه المظالم إلى أهلها، ويقتصُّ فيه للمقهور من قاهره، وللمكسور من كاسره، وللضعيف ممن استقوى عليه؛ يومٌ لا سلطان فيه إلا للحق، ولا حكم إلا لله، ولا نجاة إلا لمن لقيه بقلبٍ سليم.

فسلامٌ على كل مظلومٍ صبر ولم يهن، وثبت ولم يلن، وأحسن الظن بربه حين أساء الناس إليه. وسلامٌ على كل قلبٍ أنهكه البلاء، فلم يزدْه ذلك إلا يقينًا بأن للحق فجرًا لا يحجبه ليل، وأن للعدل موعدًا لا يُخلفه الله، وأن دعوة المقهور لا تضيع، وإن طال انتظارها؛ لأن وعد الله حق، وحكمه عدل، وهو خيرُ الفاصلين.

«﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾»

صدق الله العظيم

القاضي م جمال الحلو

أخبار مماثلة