16 صفر 1448

الموافق

السبت 01-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "فارس الصادق..."!
"فارس الصادق..."!
القاضي م جمال الحلو
2026-08-01
"فارس الصادق..."!

(حين يقف رجل واحد في وجه مملكة الظلام)

ليست كل الحروب تُخاض بالسيوف، فثمة معارك أشد ضراوة، تُخاض بين ضمير حيٍّ وجيوشٍ من الضمائر الميتة. وليست كل البطولات تُكتب بالدم، بل إن أعظمها ما كُتب بالحبر الشريف، حين يأبى القلم أن يبيع الحقيقة، ويأبى القاضي أن يبيع العدالة.

وفي بلادٍ عُرفت بين الناس باسم بلاد ما بين الجبلين، عاش رجلٌ لم يكن كبقية الرجال. كان اسمه فارس الصادق. جمع الله له صفاء القلب، وحدة الذكاء، ورجاحة العقل، وفصاحة اللسان، وسعة العلم. كان أديبًا، وشاعرًا، وكاتبًا نحريرًا، وقاضيًا شهد له الموافق والمخالف بأنه من خيرة القضاة الذين عرفتهم تلك البلاد.

لم يكن يعرف في مجلس القضاء إلا وجه الحق، ولم يزن الناس إلا بميزان العدل. لم يظلم صاحب حاجة، ولم يجامل قويًا، ولم يبع ضميره لقاء منصب أو جاه أو مال. كان مرجعًا في أعقد القضايا القانونية، وخبيرًا في القانون الجزائي، وضليعًا في القانون التجاري، كما كان من أهل الرسوخ في علم المواريث، حاضر الذهن، وقّاد الفكر، قوي الحجة، مهيب الحضور، متماسك الشخصية، لا تهزه العواصف ولا تغريه الدنيا بزخارفها.

لكن النور لا بد أن يوقظ الظلام، والحق لا بد أن يزعج أهل الباطل.

ومع مرور الأيام، انكشف لفارس الصادق أن قلةً من القضاة في تلك البلاد قد باعوا ضمائرهم في سوق الفساد، واستبدلوا ميزان العدالة بميزان الرشوة، وأصبحوا يمارسون الظلم بأبشع صوره، ويكتبون الأحكام بمداد المصالح لا بمداد القانون.

أرادوه أن يكون واحدًا منهم، وأن ينضم إلى زمرةٍ باعت ضميرها، حتى ظنت أن سلطانها لن يزول.

لكنهم أخطأوا الرجل.

فبدل أن يمد يده إليهم، كشف أقنعتهم. وبدل أن يسير في ركابهم، جمع الأدلة، وأحكم البراهين، وأمسك من الخيوط ما فضح وجوه الفساد المالي الأسود، حتى صاروا يدركون أن وجوده وحده يهدد عروشهم التي أقاموها فوق جماجم المظلومين.

ومنذ تلك اللحظة بدأت حربهم.

لم يواجهوه مواجهة الرجال، بل خرجوا من أوكار الليل، ومن أقبية الظلم، ومن مواخير الرذيلة، يحيكون المؤامرات في العتمة، وينسجون الخديعة بخيوط الخيانة، لكنهم عجزوا عن كسر إرادته.

وحين فشلوا، استعانوا بأصحاب النفوذ، واستقووا بالسياسة وبأجهزة القوة، ظنًا منهم أن الحق يمكن أن يُطارد، وأن الضمير يمكن أن يُرهب، وأن الشريف يمكن أن يُشترى.

لكن الله كان حسبه.

﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.

ومع الأيام، أخذت الأقنعة تتساقط واحدًا بعد آخر. فإذا بمن كانوا يختبئون خلف شعارات النزاهة يعيشون حياة البذخ الفاحش؛ موائد الخمر، والسيجار الفاخر، والسيارات الفارهة، والقصور، والعقارات في المدن والقرى وخارج البلاد، والأموال المكدسة في المصارف، وقناطير من الذهب والفضة، وكأنهم ورثوا الأرض ومن عليها.

ولم يقف حقدهم عند هذا الحد، بل سعوا – بكل ما استطاعوا – إلى إنهاك فارس الصادق، والإضرار بصحته، وإيذائه، وإيذاء كل من تسول له نفسه أن يكشف فسادهم أو يرفض السير في ركبهم. حتى بدا وكأن مؤامراتهم قد طالت البشر والحجر والشجر والبحر، ولم يسلم من أذاهم شيء.

غير أن سنن الله لا تتبدل.

فالظلم قد يعلو، لكنه لا يدوم.

وأخذت عدالة السماء تعمل بصمتها المهيب. فمنهم من انتهى نهاية مأساوية، ومنهم من افتضح أمره على كل لسان، ومنهم من عاش أسير اضطرابه وعذابه، ومنهم من صار يتمنى الخلاص فلا يجده، ومنهم من تكشفت أسراره بعد أن ظن أن الليل سيخفيها إلى الأبد، ومنهم من ينتظر عدالة الأرض لتقول كلمتها فينال الجزاء الذي يستحقه.

أما فارس الصادق، فقد خرج من ميدان القضاء مرفوع الرأس، نظيف اليد، مطمئن القلب. تقاعد ولم يحمل في صحيفته ظلمًا لإنسان، ولا خيانةً للأمانة، ولا بيعًا للضمير. بقي اسمه حيًا في أفواه الناس، كلما ذُكر ذُكر معه العدل، وكلما حضر حضرت معه الهيبة، وكلما غاب بقي أثره شاهدًا عليه.

وذات يوم سأله قاضٍ شريف:

"يا فارس... أما آن لك أن تسامح من ظلمك؟"

فأطرق قليلًا، ثم قال بصوتٍ حمل ثقل السنين كلها:

"والذي نفس نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمدٍ عليهم الصلاة والسلام بيده، لن أسامح من تعمد الظلم والفساد وأذى الأبرياء، وسأطلب حقي منه أمام عدالة الدنيا إن قامت، وأمام عدالة الآخرة التي لا يضيع عندها حق."

فحقوق العباد ليست كلمة تُقال، ولا جرحًا يُنسى، ولا دمعةً تُمحى بمرور الزمن. والظالم مهما تجمل بثياب التقوى، ومهما أطال الوقوف في الكنيسة أو المسجد، فإن الله يعلم السر وأخفى، ولا تخفى عليه خافية.

إن دعوة المظلوم ليست بينها وبين الله حجاب، وقد يؤخر الله العقوبة لحكمة، لكنه لا يهملها أبدًا.

وهكذا تبقى قصة فارس الصادق شاهدًا خالدًا على أن العدالة قد تُحاصر، لكنها لا تموت. وأن الفساد قد ينتفخ، لكنه ينتهي. وأن الباطل قد يضحك طويلًا، لكنه يسقط في اللحظة التي يظن فيها أنه انتصر.

فليعلم كل ظالم أن الليل مهما طال، فلا بد للفجر أن يولد. وليطمئن كل مظلوم أن الله لا ينسى دمعة، ولا يضيع حقًا، ولا يترك جبارًا دون حساب.

ويبقى القانون إذا اقترن بالضمير عبادة، ويبقى القضاء إذا اقترن بالنزاهة رسالة، ويبقى الرجال الصادقون مناراتٍ لا تنطفئ، مهما تكاثفت حولهم عواصف الظلام.

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾.
صدق الله العظيم 

جنوبيات
أخبار مماثلة