23 صفر 1448

الموافق

السبت 08-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

"المصيبة"!
القاضي م جمال الحلو
2026-08-08
"المصيبة"!

في بلادِ الواقِ واقِ، وتحديدًا في أحدِ معابدِها، جلسَ العالمُ الفريدُ، وحوله ألفُ مريدٍ، وهم بين يديه كالعبيد، لا يعرف أحدٌ منهم ماذا يريد.

قال لهم:

— أيّها المريدون المؤمنون، هل تعلمون ما سأقولُه لكم؟

فأجابه السامعون:

— كلّا، لا ندري.

عندها قال الشيخُ الفريد:

— ما دمتم لا تعلمون، فما الفائدةُ من الكلام؟

ثم نزل عن المنبر، وذهب يتمخترُ كالأسدِ الأبجر، وكأنّه في قوّتِه مثلُ عنتر.

وفي يومٍ آخر، حضر الإمامُ الفريدُ إلى المعبدِ لإلقاءِ خطبتِه النصوح، التي تردُّ الروح، وطرح عليهم السؤالَ نفسَه:

— هل تعلمون ما سأقولُه لكم؟

فأجابوا بصوتِ رجلٍ واحد:

— نعم، نعلمُ ما تريدُ التحدّثَ فيه!

فقال:

— ما دمتم تعلمون ما سأقولُه لكم، فما الفائدةُ من التكلّم؟

احتار الجمعُ في أمرِهم، وتداولوا الأمرَ فيما بينهم، ثم اتّفقوا على أن تكون إجابتهم في المرّة القادمة متناقضة: قسمٌ يجيب بـ«نعم، نعلم»، وقسمٌ يجيب بـ«لا، لا نعلم».

ولمّا كانت الخطبةُ الثالثة، ثالثةُ الأثافي، حضر العلّامةُ الفريد، صاحبُ الصرحِ السعيد، وألقى السؤالَ نفسَه:

— هل تعلمون ما سأقولُه لكم؟

فاختلفت الأصوات؛ قسمٌ أجاب بـ«نعم»، وقسمٌ آخر أجاب بـ«لا».

عندها قال فريدُ عصرِه وزمانِه، المؤيَّدُ بالأصوات:

— حسنًا جدًّا؛ من يعلمُ يعلّمُ من لا يعلم!

وهكذا خرجَ الشيخُ من مأزقِه منتصرًا، وخرجَ القومُ من مجلسِه وهم لا يعلمون: أكانوا قد تعلّموا شيئًا، أم أنّهم تعلّموا فقط كيف ينجون من السؤال؟

إنّها، في الحقيقة، ليست حكايةَ شيخٍ فريدٍ في بلادِ الواقِ واق، بقدر ما هي صورةٌ تتكرّر في بلادٍ كثيرة، حين يتسلّح بعضُ أولي الأمرِ بذهنيّةِ الهُمايون، ويتصرّفون بعقليةٍ فرعونيّة، فلا يسألون عن الحقّ، ولا يصغون إلى الناس، ولا يرون في السلطةِ مسؤوليةً، بل يرونها امتيازًا لا يُسأل صاحبُه عمّا يفعل.

وحين يغيبُ الرادع، يصبحُ الخطأُ عادة، والتعاليُ سلوكًا، والصمتُ سياسةً، ويغدو المواطنُ هو الذي يُطالَب دائمًا بأن يفهمَ، وأن يصبرَ، وأن يبرّرَ، وأن يدفعَ الثمن.

وفي وطنِنا الغالي، لبنان، وسط صمتِ المسؤولين، وتعجرفِ الظالمين، وفي همساتِ السياسة، ومرتكزاتِ الساسة، وتصرّفاتِ الحكّام، وغدرِ اللئام، ما بين حامٍ وجام، ويافثٍ وسام، وتحت ستارِ الإعلامِ والغايات، وخفقانِ الأعلامِ والرايات، تصحّ المقولةُ التي لا تزال تختصرُ المشهدَ بأبلغِ ما يكون:

«إن كنتَ تدري فتلك مصيبة، وإن كنتَ لا تدري فالمصيبةُ أعظم!»

لكنّ المصيبةَ الكبرى ليست في أن يكون المسؤولُ عالمًا أو جاهلًا؛ فالعلمُ وحده لا يصنعُ حاكمًا صالحًا، والجهلُ وحده ليس كلَّ البلاء. المصيبةُ أن يعرفَ صاحبُ القرارِ الحقيقةَ ثم يتجاهلَها، وأن يرى الخللَ ثم يتعامى عنه، وأن يسمعَ أنينَ الناسِ ثم يرفعَ صوتَه فوق أنينهم.

والأشدُّ من ذلك أن يتحوّلَ الجهلُ إلى عناد، والعنادُ إلى قرار، والقرارُ إلى سياسة، ثم يُطلبَ من الناسِ أن يصفّقوا للنتائج!

فالأوطانُ لا تنهضُ بكثرةِ الخطب، ولا بكثرةِ المريدين، ولا بارتفاعِ الأصوات، ولا بكلماتٍ تُقالُ على المنابر؛ إنما تنهضُ حين يعرفُ من في موقعِ المسؤوليةِ أنّ السلطةَ أمانة، وأنّ العلمَ يوجبُ العمل، وأنّ الجهلَ يوجبُ السؤال، وأنّ الاعترافَ بالخطأ شجاعة، وأنّ الإصغاءَ إلى الناسِ ليس ضعفًا.

أما حين يصبحُ السؤالُ لعبة، والجوابُ مخرجًا، والحقيقةُ عبئًا، والمسؤوليةُ تهمةً يتقاذفها الجميع، فليس أمامَ الوطنِ إلا أن يدفعَ ثمنَ ذلك كلّه.

ولعلّ أبلغَ ما في حكايةِ الشيخِ الفريدِ أنّه كان يجدُ في كلِّ جوابٍ طريقًا للخروجِ من السؤال؛ أمّا الوطنُ، فلا يملكُ ترفَ الخروجِ من الحقيقة.

ففي بلادِ الواقِ واقِ قد تنتهي الحكايةُ بنزولِ الشيخِ عن المنبر؛ أمّا في الأوطانِ الأُخرى، فإنّ الذين لا يعرفون ماذا يقولون، أو يعرفون ثم لا يقولون، لا ينزلون وحدهم عن المنابر، بل يُنزِلون معهم وطنًا بأكمله.

جنوبيات
أخبار مماثلة