تَسريباتُ واشنطن تَكشفُ تَحوُّلًا في أَهدافِ الحَرب: تَرامب يَبحثُ عَن «انتصارٍ» قابِلٍ للتَّسويق... وَالجَيشُ يُحَذِّرُ مِن كُلفَةِ التَّصعيد
ماذا لو لم تعد معركة ترامب في إيران معركةَ انتصار، بل معركةَ خروج؟
هذا السؤال تفرضه سلسلة من التسريبات والتقارير الأميركية التي تشير إلى أن واشنطن بدأت تعيد حساباتها تحت ضغط ثلاثة عوامل: تعقيدات الحرب، كلفة التصعيد، والقيود العسكرية والاقتصادية.
وبحسب «وول ستريت جورنال»، ناقش ترامب مع كبار مساعديه إمكانية إنهاء الحرب من دون اتفاق نووي شامل، والتركيز بدلاً من ذلك على هدف أكثر قابلية للتحقق: إعادة فتح مضيق هرمز وعودة الملاحة الدولية.
ووفق المصادر نفسها، كان ترامب يهيئ لإعلان «النصر» إذا أعادت إيران فتح المضيق بالكامل، مع إبقاء برنامجها النووي تحت الرقابة الأميركية.
وهنا تكمن المعادلة.
ترامب يريد أن يجعل هرمز بوابة الخروج من الحرب... وإيران تريد أن تجعل هرمز ثمن الخروج.
طهران رفعت سقف مطالبها: إنهاء الحرب، رفع الحصار والعقوبات، سحب القوات الأميركية، الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، ودفع تعويضات الحرب، إضافة إلى وقف التهديدات والعمليات ضد حلفائها.
لكن واشنطن ترفض ترتيبات تسمح لإيران بفرض قيود على الملاحة أو تحصيل رسوم على عبور السفن.
«كين يبحث عن مخرج»
الأخطر أن الضغط لم يعد يأتي من طهران وحدها.
فبحسب «سي إن إن»، أبلغ رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين عدداً من كبار مسؤولي الإدارة بأن الولايات المتحدة تحتاج إلى مخرج من الحرب، محذراً من أن التصعيد قد يأتي بنتائج عكسية، وأن القوة الجوية وحدها قد لا تحقق الأهداف السياسية.
وكان كين ومسؤولون آخرون قد تحفظوا على خطة لتنفيذ ضربات أكثر عدوانية ضد إيران، خشية اتساع الحرب ورد طهران باستهداف البنية التحتية للطاقة في الخليج.
وهذا يكشف مشكلة جوهرية: واشنطن لا تفتقد القدرة على الضرب، لكنها بدأت تواجه سؤال القدرة على تحمّل حرب طويلة.
الدفاع الجوي ينزف
الأرقام هنا أكثر دلالة من التصريحات.
وفق تقدير نقلته «بلومبرغ»، استُخدم ما لا يقل عن 50% من مخزون صواريخ باتريوت الاعتراضية الأميركي عالمياً خلال الحرب.
وتحدثت تقارير أخرى عن انخفاض مخزونات باتريوت بنحو 65% منذ بدء الحرب، مقابل تراجع مخزونات «ثاد» بنحو 38%.
ورغم اختلاف منهجيات القياس والفترات الزمنية، فإن الاتجاه واحد: الدفاع الجوي أصبح قيداً حقيقياً على قدرة واشنطن على تحمل حرب طويلة.
أما الذخائر الهجومية، فالوضع مختلف؛ إذ لا تزال الولايات المتحدة تملك بدائل واسعة، ما يعني أن المشكلة ليست في القدرة على ضرب إيران، بل في كلفة حماية القوات والمصالح الأميركية أثناء استمرار الحرب.
الاقتصاد يدخل غرفة الحرب
الضغط السياسي لا يقل أهمية.
وفق الأرقام التي أوردها تحليل «بلومبرغ»، يبلغ معدل تأييد ترامب نحو 39.7%، بينما وصل متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة إلى نحو 4.10 دولارات للغالون، مع انخفاض احتياطيات النفط الأميركية إلى مستويات مقلقة.
وفي المقابل، ارتفع مؤشر داو جونز بنحو 5.3% منذ 27 شباط، ما يعني أن الأسواق لم تتحول بعد إلى عامل ضغط حاسم على الإدارة.
لكن استمرار أزمة هرمز قد يغيّر المعادلة.
فالمضيق يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، وأي تعطيل طويل للملاحة يعني ارتفاع أسعار النفط والشحن والتأمين، وبالتالي انتقال كلفة الحرب مباشرة إلى الاقتصاد الأميركي والعالمي.
وتضاف إلى ذلك الكلفة البشرية، مع مقتل 18 جندياً أميركياً وفق الأرقام الواردة في التحليل.
عندما يصبح الوقت عدواً
هنا تتجمع قطع الصورة.
ترامب يحتاج إلى نتيجة سريعة يمكن تحويلها إلى إنجاز سياسي. الجيش يحذّر من تصعيد قد لا يحقق أهدافه. مخزونات الدفاع الجوي تتراجع. أسعار الطاقة ترتفع. والحرب الطويلة قد تتحول من مصدر قوة للرئيس إلى عبء انتخابي.
لذلك قد لا يكون هدف ترامب الآن إجبار إيران على الاستسلام الكامل، بل الوصول إلى صيغة تسمح له بالقول إن الحرب انتهت لصالح الولايات المتحدة.
وهنا يصبح هرمز مفتاحاً سياسياً، لا مجرد ممراً للطاقة.
إذا فُتح المضيق، عادت الملاحة، انخفض خطر أزمة الطاقة، وتوقفت الحرب، يستطيع ترامب تقديم المشهد باعتباره «انتصاراً».
لكن إيران تعرف أن واشنطن تحتاج إلى هذه النهاية.
ولهذا ترفع ثمنها.
المعركة المقبلة قد لا تكون حول قدرة أي طرف على مواصلة الحرب، بل حول من يفرض شروط النهاية.
ترامب يريد مخرجاً يستطيع تسويقه كانتصار.
والجيش يريد منع حرب استنزاف.
وإيران تريد تحويل حاجة ترامب إلى الخروج إلى ورقة تفاوض.
لذلك لم يعد السؤال:
هل تستطيع أميركا مواصلة الحرب؟
بل: هل يستطيع ترامب إنهاءها من دون أن يدفع ثمناً سياسياً واستراتيجياً أكبر من «النصر» الذي يريد إعلانه؟
هرمز لم يعد مجرد مضيق استراتيجي.
لقد أصبح ورقة النهاية.
ترامب يريد فتحه كي يغلق الحرب... وطهران تريد أن تجعل ثمن فتحه هو ثمن إنهائها.