ليس من الحكمة قراءة اتفاق مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان باعتباره مجرد اتفاق عسكري جديد، كما ليس من الدقة اختزاله في فكرة إنشاء «ناتو إسلامي» أو اعتباره موجهاً ضد دولة بعينها. فالاتفاق، في تقديري، يستحق قراءة أوسع وأعمق؛ لأنه يأتي في لحظة تاريخية يعيش فيها الشرق الأوسط مرحلة انتقالية بين نظام أمني قديم أخذت ركائزه تتآكل، ونظام جديد لم تتضح ملامحه النهائية بعد.
لقد أظهرت الحروب والأزمات المتلاحقة في المنطقة، من فلسطين إلى الخليج، ومن سوريا والعراق إلى البحر الأحمر، ومن المواجهات الإسرائيلية ـ الإيرانية إلى تداعياتها الإقليمية والدولية، أن منظومة الأمن التي قامت لعقود على المظلات الخارجية والتحالفات الثنائية لم تعد قادرة وحدها على إنتاج الاستقرار.
وهنا تحديداً تكمن أهمية «اتفاق مكة».
إنه ليس بالضرورة إعلاناً عن ولادة نظام أمني جديد، لكنه قد يكون أحد المؤشرات المبكرة على أن دولاً إقليمية بدأت تفكر في بناء هذا النظام بأيديها.
من حماية الخارج إلى قدرة الداخل
كان الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، إلى حد بعيد، يقوم على معادلة واضحة: قوى إقليمية متنافسة، ودول عربية تعتمد بدرجات متفاوتة على المظلة الأمريكية، وقوة إسرائيلية متفوقة نوعياً، وشبكة من الترتيبات الأمنية الثنائية.
لكن السنوات الأخيرة كشفت حدود هذه المعادلة.
فالحرب لا تتوقف بالضرورة لأن قوة كبرى موجودة في المنطقة، والردع لا ينجح دائماً بمجرد امتلاك السلاح، كما أن الدول لا تستطيع أن تضمن أمنها إذا بقيت رهينة لتبدلات أولويات القوى الكبرى.
من هنا يمكن فهم الاتجاه نحو بناء قدرة إقليمية ذاتية على الردع.
وهذا لا يعني الاستغناء عن الولايات المتحدة أو الغرب، ولا يعني الانفصال عن التحالفات القائمة؛ بل يعني أن دول المنطقة تريد أن تصبح شريكاً في إنتاج أمنها، لا مجرد متلقٍ لترتيبات أمنية يضعها الآخرون.
والفارق بين الأمرين كبير.
إنه انتقال من مفهوم «الحماية» إلى مفهوم «القدرة».
لماذا مكة؟
اختيار مكة مكاناً لتوقيع الاتفاق يحمل دلالة سياسية ورمزية لا ينبغي تجاهلها.
فمكة ليست عاصمة سياسية لدولة فحسب، وإنما ذات مكانة دينية جامعة للعالم الإسلامي. ولذلك فإن التسمية نفسها تمنح الاتفاق بعداً يتجاوز المصالح الثنائية والثلاثية، شريطة ألا يتحول هذا البعد إلى مفهوم مذهبي أو إلى اصطفاف ضد الآخرين.
وهنا تبرز قيمة الصيغة التي تبدو أكثر حكمة: اتفاق دفاعي لا تحالف هجومي، وردع لا استقطاب، وتعاون لا إعلان خصومة.
إذا نجحت هذه المعادلة، فقد يصبح اتفاق مكة منصة للتقارب الأمني بين دول ذات مصالح مختلفة، بدلاً من أن يتحول إلى محور جديد من محاور الصراع.
ثلاث قوى... وثلاثة مصادر للقوة
السعودية وتركيا وباكستان ليست ثلاث دول متشابهة، وهذه ربما إحدى نقاط قوة الاتفاق.
السعودية تمتلك الثقل الاقتصادي والمالي والطاقة والموقع الجغرافي والنفوذ السياسي العربي والإسلامي.
تركيا تجمع بين الموقع الجغرافي الفريد، والقوة العسكرية، والخبرة العملياتية، والصناعة الدفاعية التي أصبحت أحد عناصر قوتها الاستراتيجية.
أما باكستان فتضيف كتلة عسكرية وبشرية كبيرة، وخبرة استراتيجية عميقة، وموقعاً جيوسياسياً مهماً في جنوب آسيا.
وبذلك يقوم الاتفاق على تكامل مصادر القوة أكثر مما يقوم على تشابه الدول.
وهذه نقطة استراتيجية مهمة؛ فالتحالفات الأكثر قابلية للاستمرار ليست بالضرورة تلك التي تتطابق فيها مصالح أعضائها، وإنما تلك التي تستطيع أن تجعل اختلاف عناصر قوتهم مكملاً لبعضها بعضاً.
مصر... إذا اكتملت الدائرة
لذلك فإن الحديث عن احتمال انضمام مصر يستحق اهتماماً استثنائياً.
فمصر ليست مجرد دولة إضافية إلى الاتفاق؛ إنها يمكن أن تغير جغرافيته السياسية.
بانضمام القاهرة، يمكن أن تمتد المنظومة من الخليج إلى البحر الأحمر وشرق المتوسط، ومن العالم العربي إلى تركيا وباكستان، بما يخلق كتلة ذات وزن عسكري وسياسي واقتصادي وجغرافي كبير.
لكن مصر، بحكم ثقلها ومصالحها، لن تنظر إلى الأمر من زاوية عسكرية فقط. وستبحث بالضرورة في طبيعة الالتزامات، وحدود الدفاع المشترك، وآليات اتخاذ القرار، واحتمالات الانجرار إلى نزاعات لا تتصل مباشرة بأمنها القومي.
ولهذا فإن «المسائل الفنية» التي يجري الحديث عنها ليست بالضرورة تفاصيل ثانوية؛ فقد تكون هي التي ستحدد هل تصبح الاتفاقية التزاماً دفاعياً حقيقياً أم إطاراً سياسياً مرناً للتنسيق والتشاور.
إيران: لا خصم معلن... لكن حسابات جديدة
من الخطأ القول إن اتفاق مكة حلف معلن ضد إيران.
لكن من الخطأ أيضاً تجاهل أثره في الحسابات الإيرانية.
فإيران، مثل غيرها، ستقرأ ميزان القوة وليس فقط العبارات الدبلوماسية. وإذا تطورت الاتفاقية إلى منظومة دفاع جوي وصاروخي وتبادل استخباري وتنسيق بحري وقدرات مشتركة، فإن البيئة الأمنية المحيطة بإيران ستتغير.
لكن هنا تظهر مسؤولية الدول الموقعة: هل تستخدم القوة الجديدة لإقامة توازن يردع الحرب، أم لبناء محور جديد يدفع المنطقة إلى سباق محاور؟
الفرق بين الخيارين هو الفرق بين نظام أمن إقليمي ونظام استقطاب إقليمي.
والأول هو ما تحتاجه المنطقة.
إسرائيل أمام بيئة استراتيجية مختلفة
قد تكون الرسالة الأبعد مدى بالنسبة لإسرائيل غير مباشرة.
فالتفوق الإسرائيلي لم يكن قائماً على القوة العسكرية وحدها، وإنما استفاد تاريخياً من غياب منظومة إقليمية متماسكة قادرة على موازنة هذه القوة.
أما إذا نشأت شبكة دفاعية تضم دولاً ذات ثقل استراتيجي كبير، فإن إسرائيل ستضطر إلى إعادة تقييم بعض حساباتها.
وهذا لا يعني أن الاتفاق يهدد إسرائيل عسكرياً، ولا ينبغي تحويله إلى خطاب تعبئة ضدها؛ لكن أي إعادة توزيع حقيقية للقوة في المنطقة ستؤثر بطبيعة الحال في الحسابات الإسرائيلية.
وهنا يصبح الردع أكثر فاعلية عندما يقترن بالدبلوماسية والسياسة، لا عندما يتحول إلى سباق تسلح مفتوح.
الولايات المتحدة... من الضامن إلى الشريك
ومن الخطأ كذلك تفسير الاتفاق باعتباره خروجاً من المظلة الأمريكية.
الأرجح أن المنطقة تتجه إلى صيغة أكثر تعقيداً: استمرار العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة والغرب، بالتوازي مع بناء قدرات إقليمية مستقلة.
وهذا في جوهره ليس رفضاً للشراكة، بل إعادة تعريف لها.
الدول التي تستطيع حماية مصالحها تكون عادة أقدر على التفاوض كشريك، وأقل حاجة إلى الحماية كطرف تابع.
ومن هذه الزاوية يمكن أن يكون اتفاق مكة رسالة إلى واشنطن أيضاً: إن دول المنطقة تريد علاقة تقوم على المصالح المتبادلة، لا على افتراض أن أمنها سيظل مسؤولية خارجية إلى ما لا نهاية.
فلسطين... الاختبار الأخلاقي والسياسي
لكن كل قراءة عربية للاتفاق ستبقى ناقصة إذا لم تضع فلسطين في قلب النقاش.
فالأمن الإقليمي لا يمكن أن يعني حماية الدول من الحرب، مع ترك أصل الصراع الذي يستنزف المنطقة بلا حل.
إن استمرار الاحتلال والاستيطان والعدوان والتهجير، وبقاء الشعب الفلسطيني محروماً من حقوقه الوطنية، يمثل أحد أهم مصادر عدم الاستقرار في المنطقة.
ولذلك فإن بناء قدرة دفاعية عربية وإسلامية لن يكتمل معناه السياسي إذا لم يتحول أيضاً إلى قدرة على صناعة السلام العادل، وحماية الحقوق، وإنفاذ القانون الدولي، وإنهاء الاحتلال.
القوة ليست غاية في ذاتها؛ قيمتها الحقيقية أنها تمنع استخدامها ضد الشعوب، وتفرض احترام الحقوق، وتخلق توازناً يسمح بالسلام.
ومن هنا يمكن أن تصبح فلسطين جزءاً أصيلاً من مفهوم الأمن الإقليمي، لا بنداً هامشياً في بياناته.
ما بعد الحروب: الفرصة والمخاطر
الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مفترق طرق.
إما أن تؤدي الحروب الأخيرة إلى إعادة إنتاج سباق المحاور والتسلح والاستقطاب، وإما أن تدفع الدول إلى استنتاج مختلف: أن الأمن الجماعي والتوازن والاتصال الدبلوماسي أكثر فاعلية من الحروب المفتوحة.
وهنا يمكن أن يمثل اتفاق مكة فرصة تاريخية إذا تطور في الاتجاه الصحيح.
لكن المخاطر حاضرة أيضاً.
فإذا أصبح الاتفاق نواة لمحور مغلق، فسوف يدفع الآخرين إلى تشكيل محاور مضادة، وقد تدخل المنطقة في سباق جديد يعيد إنتاج منطق الحرب.
أما إذا بقي مفتوحاً على التعاون، واحترام سيادة الدول، وعدم التدخل، وتسوية النزاعات، وبناء الثقة، فقد يصبح لبنة في نظام أمن إقليمي متعدد الأطراف.
وهذا هو الخيار الأكثر حكمة.
مكة... بداية أم لحظة عابرة؟
في النهاية، لا تكمن أهمية اتفاق مكة في عدد الدول التي وقعت عليه فقط، ولا في اللغة التي صيغ بها، وإنما في قدرته على إنتاج واقع جديد.
إذا بقي اتفاقاً سياسياً، فسيكون خطوة مهمة في التنسيق الدفاعي.
وإذا تطور إلى مؤسسات وقدرات مشتركة، فقد يصبح نواة لمنظومة ردع إقليمية.
أما إذا اتسع ليشمل مصر ودولاً أخرى، مع الحفاظ على طابعه الدفاعي، فقد يدخل الشرق الأوسط مرحلة مختلفة عنوانها التوازن بدل الهيمنة، والردع بدل الحرب، والشراكة بدل التبعية.
وهنا ينبغي أن نفهم اتفاق مكة لا باعتباره إعلاناً عن حرب قادمة، بل باعتباره محاولة لجعل الحرب أقل احتمالاً.
فالردع الحقيقي ليس أن تكون قادراً على خوض الحرب، وإنما أن تجعل الآخرين يدركون أن كلفة الحرب أعلى من مكاسبها.
وإذا استطاعت السعودية وتركيا وباكستان، ومعها مصر إذا اكتملت مشاركتها، أن تحول هذه الفكرة إلى مؤسسات وقدرات وسياسات، فإن اتفاق مكة قد يكون أكثر من اتفاق دفاعي.
قد يكون إشارة إلى أن الشرق الأوسط، بعد كل ما دفعه من أثمان، بدأ يبحث عن أمنه من داخله، وعن توازن جديد يمنع الحروب بدلاً من إدارة نتائجها بعد وقوعها.
أما الامتحان الأكبر، فسيبقى في كيفية استخدام هذه القوة:
هل تكون قوة للردع أم قوة للاستقطاب؟ ولحماية السلام أم لإدارة الحرب؟ ولإعادة بناء الإقليم على أساس التوازن والعدالة، وفي مقدمتها إنصاف الشعب الفلسطيني، أم لإعادة إنتاج صراعاته القديمة بأدوات جديدة؟
ذلك هو السؤال الذي سيحسم مكانة «اتفاق مكة» في التاريخ:
هل سيكون بداية نظام أمني إقليمي جديد، أم مجرد استجابة مؤقتة لمرحلة مضطربة؟
د. عبد الرحيم جاموس
10/8/2026 م