في بيروت، لا يبدأ الصباح بنشرة الأخبار، بل برائحة قهوةٍ تتسلّل من نافذةٍ مفتوحة، وبصوت بائع الكعك الذي يعرف، بالفطرة، أن الحياة، مهما ضاقت، تستحق أن تُعاش بشهية.
هذه المدينة التي أنهكتها الأزمات لم تتعلّم الاستسلام يومًا. تسقط، نعم، لكنها تنهض كما ينساب الضوء على الجدران المتعبة، فيمنحها جمالًا جديدًا. وفي شوارع الذكريات، حيث ترك الزمن بصماته على الحجر والوجوه، تمتدّ الأيدي لترمّم ما هدمته العواصف، وتعيد الشرفات الصغيرة الحياة إلى زهورها، كأنها تقول للعالم: نحن هنا… وما زلنا نحب الحياة.
ليس الصمود في لبنان شعارًا يُرفع في المناسبات، بل عادةٌ يومية يمارسها الناس بصمت، من دون ضجيج أو ادّعاء. هو الأستاذ الذي يواصل رسالته في التعليم رغم قلّة الحيلة، والمهندس الشاب الذي يبحث في قلب العتمة عن مصدرٍ جديد للطاقة، وصاحب المخبز الذي يوزّع الدفء قبل الرغيف. هؤلاء قد لا يظهرون في العناوين الكبرى، لكنهم يكتبون المتن الحقيقي لحكاية لبنان.
وفي الأماسي، حين تهدأ الشوارع قليلًا، وتنطفئ بعض الأضواء وتشتعل الأحاديث، تجتمع العائلات على شرفاتٍ تطلّ على البحر. تتقاسم الخبز والحكايات، وتستعيد من الذاكرة أيامًا مضت، فتكتشف من جديد أن الأمان ليس جدرانًا عالية، بل قلوبًا تتّسع لبعضها بعضًا.
هناك، بين فنجان قهوة وضحكة صادقة، تولد طمأنينة لا تشتريها الأموال، ولا تستطيع الأزمات أن تصادرها. وهناك يتجدّد العهد بين المدينة وأهلها: نبقى، ونبني، ونغنّي.
ولعلّ سرّ اللبناني الأجمل أنه يعرف كيف يحوّل الوجع إلى نكتة، والانتظار إلى فرصة، والغربة إلى جسرٍ يمتدّ من قريته إلى أقاصي الأرض. فأينما حلّ، حمل لبنان معه؛ في أغنيةٍ لفيروز، وفي رائحة الزعتر، وفي تفاصيل صغيرة لا يعرف قيمتها إلا من أحبّ هذه الأرض، وفي إيمانٍ عنيد بأن الغد، مهما تأخر، يمكن أن يكون أجمل.
قد تتبدّل الحكومات، وتتقلّب الأسواق، وتتغيّر الوجوه والأيام، لكن بيروت تعرف ما لا تعرفه الحسابات: أن المدن لا تُقاس بما خسرته، بل بما ترفض أن تخسره.
وما ترفض بيروت أن تخسره هو قلبها؛ قدرتها على الحلم، وشغفها بالحياة، وذاك الضوء الذي يسكن أهلها مهما اشتدت العتمة.
فبيروت ليست مدينةً تنتظر الفجر فحسب؛ إنها مدينةٌ تعرف كيف تصنعه.
وما دام في بيروت من يفتح نافذته للصباح، ومن يشعل في قلبه شمعة أمل، ومن يزرع وردةً في شرفةٍ أرهقها الغبار، فإن الفجر لن يتأخر كثيرًا.
ستبقى بيروت تُشرق… لأن في قلبها شعبًا لم يتعلّم إلا أن يحب الحياة.