9 ربيع الثاني 1448

الموافق

الثلاثاء 22-09-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "الشوربة... وما سرُّها"؟!
"الشوربة... وما سرُّها"؟!
القاضي م جمال الحلو
2026-09-22
"الشوربة... وما سرُّها"؟!

هذه حكايةٌ طريفة أخبرني بها صديقٌ عزيز، وهو طبيبٌ مخضرم، وقال لي وهو يبتسم:

«لا تسألني عن مصدرها، ولا تبحث عنها في كتب التاريخ؛ فبعض الحكايات لا تحتاج إلى وثيقة، بل تحتاج إلى ابتسامة!»

ويُحكى أن رجلًا كان متزوّجًا من امرأةٍ بارعة في الطبخ، لكنها كانت شديدة الغيرة على مطبخها؛ فلا تسمح لأحدٍ أن يقترب من أوانيها، ولا أن يسألها عمّا تطبخ قبل أن يحين موعد الطعام!

وذات يوم، عاد الزوج إلى البيت، فوجد زوجته في المطبخ تقف أمام قدرٍ كبير، تتصاعد منه روائح زكية ملأت أرجاء المنزل.

اقترب منها وقال:

— ما هذه الرائحة الطيبة يا زوجتي الحبيبة؟

قالت وهي تحرّك القدر:

— ابتعد قليلًا... إنها مفاجأة!

فقال ممازحًا:

— وهل أصبحتُ غريبًا في بيتي حتى تخفين عني الطعام؟!

فابتسمت وقالت:

— اصبر... وستعرف.

وبعد قليل، وضعت أمامه صحنًا ساخنًا، وقالت:

— تفضّل، وقل لي رأيك بصراحة.

أخذ الزوج الملعقة، وتذوّق الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة... وسكت!

فنظرت إليه زوجته بقلق وقالت:

— لماذا لا تتكلم؟!

قال وهو يواصل الأكل:

— واللهِ إنها لذيذة جدًا، لكنني لا أعرف ما اسمها!

قالت:

— إنها شوربة.

فقال:

— شوربة؟! وما معنى شوربة؟

قالت:

— شوربة يعني شوربة!

فقال:

— لا، لا... أنا رجلٌ أحب أن أعرف أصل الأشياء! لماذا سُمّيت شوربة؟

فاحتارت الزوجة، ولم تجد جوابًا.

وبينما هما يتجادلان في أصل الاسم، دخل ابنهما الصغير إلى المطبخ، وكان قد سمع الحوار، فقال بعفوية:

— ماما، إذا بابا بدّه يعرف أصلها، قولي له: «شو سرّها؟!»

ضحكا، وانتهى الأمر يومها بالضحك.

لكن القصة لم تنتهِ هنا...

فبعد أيام، اختلف الزوج مع زوجته حول أمرٍ بسيط، وكعادتهما في تلك الأيام، تحوّل الأمر الصغير إلى نقاشٍ كبير، ثم إلى صمتٍ أكبر!

وفي المساء، دخل الزوج إلى المطبخ، فوجد زوجته واقفة أمام القدر نفسه.

فقال لها:

— هل صنعتِ شوربة؟

قالت ببرود:

— نعم.

فقال:

— وهل أستطيع أن آكل؟

قالت:

— طبعًا... ولكن هذه المرة لن أسألك إن كانت لذيذة!

جلس الرجل إلى المائدة، وتناول أول ملعقة، ثم نظر إلى زوجته وقال:

— واللهِ إنها أطيب شوربة صنعتِها في حياتك!

فأجابته:

— طبيعي!

قال:

— ولماذا «طبيعي»؟

قالت وهي تبتسم ابتسامةً فيها شيءٌ من المكر:

— لأنني هذه المرة وضعت فيها كلَّ ما كان في قلبي!

توقّف الرجل عن الأكل، ونظر إلى الصحن، ثم قال:

— يعني... فيها ملح؟

قالت:

— قليل.

— وفلفل؟

— قليل.

— وبصل؟

— قليل.

— وثوم؟

— قليل.

فسألها بخوف:

— وماذا أيضًا وضعتِ فيها؟!

قالت:

— بعض الزعل... وقليلًا من العتاب... وملعقةً كبيرة من «ليش عملت هيك؟»... ورشّةً من «أنا قلت لك من قبل!»!

ضحك الزوج وقال:

— إذًا هذه ليست شوربة... هذه محضر ضبطٍ قضائي!

فانفجرت الزوجة ضاحكة، وقالت:

— المهم أنك أكلتها!

فقال:

— نعم، وأكلتها كلها... لكن عندي سؤال أخير.

قالت:

— ما هو؟

قال:

— إذا كانت الشوربة تُصلح المعدة، فهل تصلح أيضًا الزواج؟

فقالت وهي ترفع الملعقة:

— إذا أكلتها وأنت ساكت... نعم!

فضحكا طويلًا، وتصالحا قبل أن تبرد الشوربة.

ومنذ ذلك اليوم، صار الزوج كلما رأى قدر الشوربة على النار يقول لزوجته:

«يا حياتي... ما سرُّها اليوم؟»

فتجيبه:

«سرُّها المحبة... وحلاوتها الابتسامة!»

وهكذا، يا سادة، قد لا يكون لهذه الحكاية أي علاقةٍ حقيقية بأصل كلمة «شوربة»، ولكنها تذكّرنا بأن أجمل ما في البيوت ليس الطعام وحده، بل الضحكة التي تأتي بعد الزعل، والكلمة الطيبة التي تُطفئ نار الخصام.

فكم من مشكلةٍ بدأت بملعقة، وانتهت بقدرٍ من الضحك!

وكم من بيتٍ كاد أن تفسده كلمة، ثم أنقذته كلمةٌ أخرى!

ولعلّ الحكمة الأجمل في هذه الحكاية هي:

لا تجعلوا الملح يزيد في الطعام وحده... بل اجعلوا نصيبكم الأكبر من الملح هو في الدعابة، حتى لا تصبح الحياة بلا طعم!

أما أصل الشوربة الحقيقي، فاتركوه لأهل اللغة والتاريخ وأرباب المطابخ...

ونحن يكفينا أن نعرف شيئًا واحدًا:

إذا كانت البسبوسة قد بدأت بـ«بسّ بوسة»...

فربما تبدأ الشوربة يومًا بـ«ما سرُّها؟!»

فترقّبوا حكايةً جديدة...

فالمطبخ لم يقل كلمته الأخيرة بعد!


القاضي م. جمال الحلو

أخبار مماثلة