لا تُقاس تداعيات الانتخابات النصفية الأميركية بعدد المقاعد التي يخسرها الحزب الحاكم فحسب، بل بحجم التحوّل الذي تُحدثه في هندسة السلطة وآليات اتخاذ القرار داخل واشنطن. فانتقال السيطرة على مجلسَي النواب والشيوخ إلى المعارضة يعني دخول الرئاسة مرحلة ما يُعرف دستورياً وسياسياً بـ«الحكومة المنقسمة»، حيث يحتفظ الرئيس بشرعيته الانتخابية وصلاحياته التنفيذية، لكنه يفقد القدرة على تمرير أجندته التشريعية بالاعتماد على أغلبية حزبية موالية. وهنا ينبغي التمييز بين أمرين جوهريين: الرئيس لا يفقد سلطاته الدستورية بخسارة حزبه الكونغرس، لكنه يفقد جانباً أساسياً من قدرته السياسية على تحويل قراراته إلى قوانين وتمويلها وحمايتها من الرقابة البرلمانية. وهذه النقلة تنقل العلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس من التنسيق الحزبي إلى التفاوض الإلزامي، ومن سهولة المبادرة التشريعية إلى احتمالات التعطيل والمساومة والتسويات المعقّدة.
وتبرز التداعيات الأشدّ مباشرةً في مجلس النواب، الذي يمتلك سلطة إقرار التشريعات المالية والاعتمادات الحكومية، ويستطيع عبر لجانه الرقابية استدعاء المسؤولين وطلب الوثائق وفتح التحقيقات في أداء الإدارة، فضلاً عن امتلاكه السلطة الحصرية لتوجيه الاتهام في إجراءات العزل الرئاسي. أما مجلس الشيوخ، فيمتلك أدوات إضافية بالغة التأثير، أبرزها المصادقة على التعيينات الرئاسية العليا، بما فيها الوزراء والسفراء والقضاة الاتحاديون، والموافقة على المعاهدات بأغلبية الثلثين، فضلاً عن محاكمة المسؤولين الذين يوجّه إليهم مجلس النواب اتهامات العزل. غير أنّ سيطرة المعارضة على المجلسين لا تعني امتلاكها سلطة مطلقة؛ فالرئيس يحتفظ بحق النقض التشريعي، ولا يمكن تجاوز هذا النقض إلا بأغلبية الثلثين في كل مجلس. كما أنّ معظم التشريعات العادية في مجلس الشيوخ قد تحتاج عملياً إلى ستين صوتاً لتجاوز عرقلة النقاش، ما يجعل التوازنات الحزبية أكثر تعقيداً من مجرد امتلاك أغلبية عددية.
الكونغرس ينتزع مفاتيح التشريع...
تُدخل خسارة الجمهوريين السيطرة على مجلسَي النواب والشيوخ، وفق النتائج المعلنة للانتخابات النصفية في الثالث من تشرين الثاني 2026، الولايات المتحدة في مرحلة جديدة من إعادة توزيع النفوذ بين المؤسسات الدستورية، بعدما انتهت مرحلة الانسجام الحزبي بين البيت الأبيض والكونغرس. والنتيجة هنا تتجاوز الانتكاسة الانتخابية إلى تبدّلٍ جوهري في آليات ممارسة الحكم؛ فدونالد ترامب سيبقى رئيساً بكامل صلاحياته الدستورية، لكنه سيواجه، مع انعقاد الكونغرس الجديد في كانون الثاني 2027، سلطةً تشريعية تملك القدرة على تعطيل مشاريعه، وإخضاع إدارته للرقابة، وإعادة صياغة أولويات الإنفاق والسياسات العامة. إنه انتقال من رئاسة تستند إلى أغلبية تشريعية مساندة، إلى رئاسة تضطر إلى انتزاع التوافقات من خصومها، حيث لا تعود الإرادة الرئاسية وحدها كافية لتحويل القرارات إلى قوانين نافذة. والأهم أنّ هذه المعادلة تمنح الديمقراطيين أدوات مؤسسية للتأثير في النصف الثاني من ولاية ترامب، من دون أن تمنحهم تلقائياً القدرة على فرض برنامجهم التشريعي في مواجهة حق النقض الرئاسي. وتتجلّى التحوّلات الأكثر حساسية في انتقال رئاسة اللجان البرلمانية وأدوات الرقابة إلى الديمقراطيين، بما يتيح فتح تحقيقات موسّعة بشأن القرارات العسكرية والإنفاق الدفاعي والعقود الحكومية والسياسات الاقتصادية وأداء كبار المسؤولين. وفي مجلس النواب، تستطيع الأغلبية الجديدة إطلاق إجراءات الاتهام الرئاسي إذا توافرت أسبابها القانونية والسياسية، فيما يتولّى مجلس الشيوخ محاكمة الرئيس، من دون إمكان عزله إلا بتأييد ثلثَي الأعضاء الحاضرين. كذلك يمتلك الشيوخ سلطة تعطيل أو رفض التعيينات الرئاسية التي تستلزم موافقته، من الوزراء والسفراء إلى القضاة الاتحاديين، ما يضع تشكيل الإدارة وملء المواقع الحسّاسة أمام حسابات تفاوضية جديدة. لكنّ التحوّل الأشدّ تأثيراً يكمن في سلطة المال؛ فالكونغرس يستطيع عبر قوانين الاعتمادات والتمويل تقييد برامج الإدارة أو فرض شروط رقابية عليها، الأمر الذي يجعل الموازنة الاتحادية إحدى ساحات الاشتباك الأساسية بين السلطتين. وفي المقابل، يحتفظ ترامب بحق نقض القوانين، ولا تستطيع المعارضة تجاوزه إلّا بأغلبية الثلثين في المجلسين، ما يفتح الباب أمام مساومات طويلة واحتمالات تعثّر التمويل والإغلاق الحكومي.
أما في السياسة الخارجية والأمن القومي، فلا تعني الخسارة الانتخابية تجريد الرئيس من قيادة القوات المسلحة أو إدارة الدبلوماسية أو إصدار الأوامر التنفيذية ضمن حدود القانون؛ فهذه صلاحيات تستمد مشروعيتها من الدستور، لا من الأكثرية الحزبية في الكونغرس. غير أنّ ممارستها ستصبح أكثر عرضةً للمساءلة السياسية والتشريعية، ولا سيما في ملف الحرب مع إيران وتكاليفها العسكرية والاقتصادية. فالكونغرس يملك سلطة إعلان الحرب والتشريع بشأن استخدام القوة وتخصيص الاعتمادات العسكرية، ويستطيع مطالبة الإدارة بتبريرات قانونية ومالية لعملياتها، فيما يبقى تطبيق القيود على الصلاحيات الحربية للرئيس محكوماً بتعقيدات قانونية وسياسية قائمة. وهنا تبرز مفارقة النظام الأميركي: الرئيس يستطيع الاحتفاظ بقرار المبادرة العسكرية في نطاق صلاحياته، لكنه لا يمتلك سلطة مفتوحة لتمويل الحروب أو تجاوز القوانين والتشريعات الناظمة لها. كذلك تصبح المعاهدات التي تتطلب موافقة مجلس الشيوخ أكثر تعقيداً، وإن ظلّ بإمكان الرئيس إبرام أنواع من الاتفاقات التنفيذية التي لا تحتاج إلى تصديق المجلس.
سياسياً، تضع النتائج إدارة ترامب أمام معادلة حكم تتداخل فيها ثلاثة مسارات: استمرار ممارسة الصلاحيات التنفيذية، والتفاوض مع الكونغرس بشأن التشريعات والتمويل، ومواجهة رقابة برلمانية أكثر استقلالاً عن البيت الأبيض. وقد تدفع هذه البيئة إلى توسيع استخدام الأوامر التنفيذية، لكنها لا تشكّل بديلاً دستورياً من التشريع، وتظلّ تلك الأوامر قابلة للطعن القضائي والتقييد بقوانين الكونغرس. وفي المحصّلة، لم تنتقل الرئاسة إلى الديمقراطيين، لكنّ مفاتيح التشريع والرقابة والمصادقة على التعيينات انتقلت إلى أيديهم؛ ولم يفقد ترامب حق اتخاذ القرار، لكنه فقد البيئة البرلمانية التي كانت تسهّل تحويل قراراته إلى سياسات مستقرة. إنها مرحلة يصبح فيها السؤال الحاسم ليس ما الذي يريد الرئيس فعله، بل ما الذي يستطيع تنفيذه قانونياً ومالياً وسياسياً في مواجهة كونغرس يملك أدوات الاعتراض والمحاسبة.
* كاتب سياسي