9 ربيع الثاني 1448

الموافق

الثلاثاء 22-09-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة بين حرق الزيتون وزحف الروبوتات.. "إسرائيل" تختبر حرب المستقبل في الجنوب
بين حرق الزيتون وزحف الروبوتات.. "إسرائيل" تختبر حرب المستقبل في الجنوب
يوسف عبد النبي
2026-09-22
بين حرق الزيتون وزحف الروبوتات.. "إسرائيل" تختبر حرب المستقبل في الجنوب

في الجنوب اللبناني، لا تقتصر آثار الحرب على الغارات والقذائف والدمار الذي تتركه العمليات العسكرية. هناك حرب أخرى تجري على الأرض نفسها؛ في الحقول والبساتين، وبين أشجار الزيتون التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ضحية متكررة للنيران والقصف.

في 20 أيلول 2026، أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» بأن القوات الإسرائيلية أحرقت حقول زيتون وبساتين حمضيات في محيط بلدتي مجدل زون وبيوت السياد، مشيرة إلى أن الحرائق اندلعت نتيجة استخدام قنابل فوسفورية، بالتزامن مع قصف مدفعي وتفجيرات في عدد من المناطق الجنوبية. وهي ليست المرة الأولى التي تشهد فيها المنطقة حرائق واسعة تطاول الأراضي الزراعية.

ففي آب الماضي، التهم حريق واسع أكثر من 120 هكتاراً من بساتين الزيتون في يارون، بحسب تقارير محلية، في مشهد يعكس حجم الضرر الذي أصاب الزراعة الجنوبية. ولا يتعلق الأمر بخسارة محصول موسمي فحسب، فالزيتون في الجنوب جزء من اقتصاد العائلات وذاكرة القرى، وبعض الأشجار تحتاج إلى عقود قبل أن تصبح منتجة بشكل كامل.

وتؤكد الأرقام حجم المشكلة. فقد قدّر تقييم أعدته منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «فاو»، بالتعاون مع وزارة الزراعة والمجلس الوطني للبحوث العلمية، أضرار القطاع الزراعي اللبناني الناجمة عن الحرب بين تشرين الأول 2023 وتشرين الثاني 2024 بنحو 118 مليون دولار، فيما بلغت الخسائر نحو 586 مليون دولار، وكان الجنوب من أكثر المناطق تضرراً.

لكن في الجهة الأخرى من المشهد، تتغير الحرب الإسرائيلية نفسها.

في أيار 2026، أعلن الجيش الإسرائيلي استخدام روبوتات خلال عملية عسكرية في جنوب لبنان. وبحسب ما نقلته «جيروزاليم بوست»، استخدم لواء غولاني روبوتات خلال عمليات وصلت إلى منطقة نهر الليطاني. هذه الواقعة تكتسب أهمية خاصة لأنها تظهر انتقال الروبوتات من المختبرات والمعارض العسكرية إلى الاستخدام العملياتي في الميدان.

والاتجاه لا يبدو مؤقتاً.

في أيلول 2026، أعلنت شركة «إلبيت سيستمز» الإسرائيلية إطلاق وحدة FUSE المتخصصة في تطوير أنظمة قتالية ذاتية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، تشمل منصات جوية وبرية قادرة على العمل ضمن منظومات مترابطة. وتقول الشركة إن الأنظمة التي طورتها راكمت أكثر من مليون ساعة تشغيل جوي وأكثر من مئة ألف ساعة تشغيل أرضي ذاتي.

لكن الحديث عن «استبدال الجنود بالروبوتات» يحتاج إلى شيء من الدقة. إسرائيل لا تلغي العنصر البشري من المعركة، بل تعمل على تغيير دوره. الفكرة الأساسية هي أن تصل الآلة إلى بعض المناطق الخطرة قبل الجندي، وأن تتولى مهام الاستطلاع والمراقبة وكشف المخاطر، بينما يبقى الإنسان جزءاً أساسياً من عملية اتخاذ القرار العسكري.

وهنا تبرز أهمية الجنوب.

فالميدان الجنوبي، بما يضمّه من تلال وأودية وبساتين ومناطق مبنية ومساحات مفتوحة، يمثل بيئة معقدة للعمليات البرية. وفي مثل هذه البيئات تصبح القدرة على إرسال منظومة غير مأهولة إلى منطقة خطرة قبل إرسال الجنود إليها عاملاً عسكرياً مهماً.

وبذلك تتشكل معادلة جديدة: الروبوت لا يأتي بالضرورة بديلاً عن الجندي، بل قبله وإلى جانبه، فيما يتولى الجندي إدارة عدد أكبر من الآلات من مسافة أكثر أمناً.

المفارقة أن الأرض التي تحاول الحرب جعلها أكثر صعوبة على الإنسان، تصبح في الوقت نفسه ميداناً لتجربة تكنولوجيا تهدف إلى تقليل اعتماد الحرب على الإنسان.

من جهة، تحترق أشجار الزيتون التي ارتبطت بحياة الجنوبيين لعقود طويلة. ومن جهة أخرى، تتقدم أنظمة قادرة على الاستطلاع والتحرك والعمل في بيئات القتال من دون وجود جندي داخلها.

إنها صورتان لحرب واحدة تتغير أدواتها.

فالزيتونة المحترقة ليست مجرد خسارة زراعية، والروبوت الذي يدخل أرض المعركة ليس مجرد إنجاز تكنولوجي. كلاهما جزء من مشهد أوسع يتغير فيه شكل الصراع: الأرض تُستنزف، والآلة تصبح أكثر حضوراً في الميدان.

ومع ذلك، يبقى سؤال أساسي يتجاوز التكنولوجيا نفسها: إذا كانت حروب الماضي تقوم على الجندي الذي يدخل الأرض ويسيطر عليها، فهل تتجه حروب المستقبل إلى نموذج مختلف، حيث تستطيع الآلة أن تراقب الأرض وتستطلعها وتتحرك فيها، فيما يبقى الإنسان بعيداً عن الخط الأول؟

في الجنوب اللبناني، لا تزال الإجابة قيد الاختبار.

لكن بين حرق الزيتون وزحف الروبوتات، يبدو واضحاً أن الحرب لم تعد تغيّر شكل الأرض فقط، بل بدأت تغيّر أيضاً شكل المحتل نفسه.

اللواء
أخبار مماثلة