26 صفر 1448

الموافق

الثلاثاء 11-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

نتنياهو وبنياهو
غازي العريضي
2026-08-11
نتنياهو وبنياهو

 

قبل أيّام، قال رئيس الوزراء البريطاني الجديد آندي بيرنهام: "كارثة غزّة غير مقبولة كلّياً. علينا أن نقول الحقيقة بشأن ما يحدث. هناك تدابير محتملة أدرسها حالياً في ما يتعلّق بالمستوطنات في الضفّة الغربية. تأخّرنا كثيراً في الدعوة إلى وقف إطلاق النار في غزّة. علينا أن نفكّر في هذا كلّ يوم، وأن نبحث عمّا يمكننا تقديمه أكثر. الوضع الإنساني في غزّة يتطلّب منا التحرّك وبذل المزيد". جاء هذا الكلام بعد تأكيدات إسرائيلية متتالية أنّ الحرب على الفلسطينيين في غزّة لن تتوقّف، وأنّ الاستيطان فيها سيبدأ بقوّة بالتزامن مع ما يجري في الضفّة الغربية من توسّع وإنشاء بؤر استيطانية جديدة، وصولاً إلى ضواحي القدس وإخلاء مخيّمات. وجاء دور قلنديا أخيراً بعد إخلاء مخيّمات أخرى من سكّانها وإطلاق مشاريع استيطان فيها. العدوان الإسرائيلي مفتوح على كلّ الأراضي الفلسطينية.
وفي غزّة تحديداً، وبعد الحديث عن الاستعداد للبدء في تنفيذ مشاريع "مجلس سلام ترامب"، أعلن نتنياهو ووزير أمنه يسرائيل كاتس أنّهما "أوعزا ببدء إنشاء البنى التحتية لإقامة مدينة جديدة في رفح في قطاع غزّة". والأخطر أنّ مدير المجلس ملادينوف التقى نتنياهو ثم صرّح بأن "الانسحاب الإسرائيلي يبدأ بعد تسليم حماس أسلحتها، كلّ أسلحتها والأنفاق"، وهذا انقلاب على مضمون خطّة المجلس التي وافقت عليها حركة حماس والفصائل الفلسطينية، ويعني تغطية استمرار الحرب على غزّة، وعدم دخول المساعدات الإنسانية إلى القطاع، وتجويع الناس، والضغط عليهم لفرض تهجيرهم.

تأخّر العرب كثيراً في رسم خط بياني واضح واستراتيجية واحدة في مواجهة الخطر الإسرائيلي والعدوان المفتوح ضدهم جميعاً انطلاقاً من فلسطين
في هذا السياق، قال نتنياهو: "ما يجرى فعله هو عدم السماح للناس بالخروج. 80% من سكّان غزّة يريدون المغادرة. هناك دولتان فقط لا يستطيع الناس مغادرتهما. إحداهما كوريا الشمالية، والثانية ليست دولة أصلاً. وبالمناسبة، كانت هناك دولة فلسطينية، وقد رأينا بالفعل إلى ماذا أدّى هذا. لكن يُمنع الخروج من غزّة، والعالم يتحدّث عن حقوق الإنسان. إذا كان العالم يهتم فليفتح الباب أمامهم للخروج، لكن الدول لا تستقبلهم كي لا تساعد إسرائيل. ماذا عن مساعدة الفلسطينيين؟ لماذا لا يملكون الحقّ الذي يتمتّع به مليارات البشر في الانتقال من مكان إلى آخر؟". وقبل يومين قال: "لن تقام دولة فلسطينية ما دمتُ رئيساً للوزراء. وإسرائيل ترفض وثيقة النقاط الـ15 بشأن غزّة التي قدّمها مجلس السلام".
ماكر نتنياهو. شاطر. حاضر. متابع. عنيد. ولكنّه لا يستطيع قلب الحقائق والوقائع. هي عنيدة أيضاً، واضحة. تتمثّل فلسفته هنا في تقديم نفسه حامياً حقوق الإنسان ومدافعاً عن الفلسطينيين و"حقّهم" في الانتقال من مكان إلى آخر، وكأنّهم يريدون الخروج للسياحة، فماذا لو خرج بعضهم وأراد العودة؟ هل يسمح له بذلك؟ هل تكون حقوق الإنسان حاضرةً؟ وأين هي هذه الحقوق في الاعتداء اليومي على أبناء الضفّة لاقتلاعهم من أرضهم وتهجيرهم، والإصرار على الإبادة في غزّة، والانقلاب على قرارات مجلس السلام لفرض مشروع التهجير؟
مشكلته التي يدركها كلّ العالم تكمن في أنّ الفلسطيني لا يريد الخروج من أرضه، على الرغم من سياسات الترويع ومحاولات التركيع والإخضاع والتجويع والقهر والظلم. عندما يخرج مسؤولون إسرائيليون ويتحدّثون بوضوح، ومنذ زمن طويل: "الأرض لنا. هذه بيوتنا. نريد العودة إليها"، وعندما يسقطون وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) لأنّها تُعنى بشؤون اللاجئين وعودتهم بالأعداد المسجّلة لديها التي لا تقبلها إسرائيل، فهم لا يريدون عودة من طُرِد، ولا بقاء من هو في أرضه.
ولذلك، وقبل الحرب أخيراً، ومنذ عقود، وأنا أكتب: "ليس ثمّة خطر فقط على حقّ العودة، الخطر الأكبر هو على حقّ البقاء على الأرض في الداخل". وإسرائيل تعمل باستمرار لتهديد هذا الوجود، وبالتالي تأكيد الخطر على "الحقَّين"، ويحدّثنا نتنياهو عن حقوق الإنسان. وقد تكثّفت أخيراً عمليات التوسّع والاستيطان بين الضفّة والقدس، وثمّة مشروع لبناء 2300 وحدة استيطانية على أراض فلسطينية مصادرة قبل الحرب بموجب قانون أملاك الغائبين. "نطردك. نغيّبك. وبموجب القانون الخاصّ نحتلّ أرضك. نصادر ما عليها. ونبني عليها ما نبني. هذه إسرائيل. هذه دولتنا. هذا حقّنا". اليوم سيدفع المشروع الجديد مستوطنة جيلو جنوباً حتّى مشارف الطريق الرئيسي الذي يربط القدس الشرقية بمنطقة بيت لحم، ويضاف إلى مشاريع أخرى تكرّس الفصل بين القدس وجنوب الضفّة.
في هذا التوقيت، يستمرّ الجدل بشّأن مقتل المستوطن بنياهو ملت في قرية تلّ قرب نابلس، في أواخر الشهر الماضي (يوليو/ تموز)، بين قائل إنّه قُتل برصاص صديق، بعد أن استولى فلسطيني على سلاح أحد المهاجمين وفي أثناء الاشتباك في محاولة انتزاعه، وبين قائل إنّ صاحب الأرض الفلسطيني ردّ على العدوان بمصادرة السلاح وقتل المعتدي. لكن الموضوع، في جوهره، يتجاوز هذا الأمر ليدخل في صلب أهداف حركة شباب التلال والحركات المتطرّفة التي ينتمي إليها بنياهو، وبالتالي تستغلّ إسرائيل هذه العملية لتبرير ما يقوم به هؤلاء، ولتأكيد "حقّهم" في السيطرة على الأرض، مع ما يحمل الأمر من مخاطر كبرى على مصير الشعب الفلسطيني على أرضه، وما يهدّد الأردن ومصر بصورة خاصّة من خلال عمليات التهجير الجماعي لما تبقّى من فلسطينيين "ناجين" حتّى الآن من الإبادة الجماعية. وهذا ما دفع عدة دول إلى اجتماع ممثليها في الأردن: تونس، الجزائر، العراق، قطر، السعودية، الصومال، فلسطين، مصر، المغرب، إضافةً إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي، وممثّلي إندونيسيا وماليزيا وتركيا وباكستان، وإصدار بيان يستنكر التعنّت الإسرائيلي، ويؤكّد ضرورة تنفيذ خطّة الرئيس ترامب وتفعيلها، وضرورة "توفير الحماية العربية والإسلامية والدولية للقدس".
وحذّرت الدول المشاركة من "أنّ الاعتداءات الإسرائيلية على المقدّسات الإسلامية في القدس تشكّل استفزازاً لمشاعر ملياري مسلم حول العالم، وقد تؤدّي إلى تفجير صراع ديني تتجاوز تداعياته حدود المنطقة، بما يهدّد الأمن والسلم الإقليميين والدوليين".
علماً أنّ إسرائيل لا تستهدف المقدّسات الإسلامية فقط، بل المقدَّسات المسيحية أيضاً، وينبغي التوقّف دائماً عند هذا الأمر لتوحيد الموقف الداخلي في فلسطين وعلى المستوى العربي، ولمخاطبة العالم كلّه بشّان خطر السياسات والممارسات الإسرائيلية الإرهابية على أرض فلسطين وفي المنطقة، والخطّة وراء ذلك إعطاء الصراع بُعداً دينياً ستكون نتائجه كارثيةً على الجميع.
تأخّر العرب كثيراً في رسم خط بياني واضح واستراتيجية واحدة في مواجهة الخطر الإسرائيلي والعدوان المفتوح ضدهم جميعاً انطلاقاً من فلسطين. هذه الأصوات الإسرائيلية تتحدّث عن ضمّ لبنان وسورية وجزء من الأردن ومصر والسعودية والعراق. وتعتبر قطر خطراً كبيراً على دولة الاحتلال التي تهدّد مصر، وتبني قواعد عسكرية عند حدودها، كما تهدّد تركيا، ومجلس الحرب الذي يقوده نتنياهو يريد حرباً شاملة من إيران إلى تركيا إلى أيّ دولة يمكن أن ينطلق منها خطر، ولو بناءً على "التكهّن" أو "القصد" المُفتعَل من قبله.

إذا ما استمرّ الواقع العربي على ما هو عليه، فسيشهد العالم أكبر جنازة للعقل العربي في تاريخ العرب الحديث
حسناً فعلت السعودية وباكستان وتركيا حين اتفقت على مجلس دفاع مشترك، والمطلوب الإسراع في بلورة اتفاقية مكّة بخطّة عملية متكاملة تستفيد من إمكانات وطاقات وعلاقات الدول الثلاث المهمّة، على أن تتوسّع لتشمل أكبر عدد من الدول العربية والإسلامية، وتعدّ العدة لمواجهة سياسية وثقافية وفكرية وإعلامية واقتصادية ودبلوماسية كاملة، إضافة إلى امتلاك القدرات العسكرية اللازمة. أعود وأقول: المعركة هي معركة عقل وإرادة. إسرائيل انتصرت على العرب بالدرجة الأولى بهذَين العنصرَين. آن الأوان للتحرّك وحماية ما تبقّى لهم.
شهد العالم قبل أيام أكبر جنازة في تاريخ القضية الفلسطينية، كانت معبّرةً ومؤثّرةً وذات عناوين وأبعاد مهمّة، تؤشّر إلى ثبات وقوّة وعناد وإيمان وتضحيات أبناء الشعب الفلسطيني، وتمسّكهم بأرضهم، مرابطين أشدّاء، رافضين محاولات اقتلاعهم منها. لكنّ الخطورة، إذا ما استمرّ الواقع العربي على ما هو عليه، أن يشهد العالم أكبر جنازة "للعقل العربي" في تاريخ العرب الحديث. وهذه كارثة.
في غزّة انتصر مجلس الحرب الذي يقوده نتنياهو على "مجلس السلام" الذي أرساه ترامب، وفرض شروطه، وهذا يهدّد كلّ شيء، ويعطي نتنياهو مكسباً مهمّاً على أبواب الانتخابات. وحول الرجل مجموعة من الوزراء ترفض بشكل قاطع ما طرحه ترامب، ولو بعد كلام ملادينوف.
يجب دفن أي فكرة تبقي فلسطينياً على الأرض؛ هكذا يفكّرون. ولذلك، بين مشروع نتنياهو وفريقه، والإشارة المقصودة إلى قتل المستوطن بنياهو في قرية تلّ، والتحريض في اتجاه عملية الدفن المذكورة، صلة وصل قوية بينها جميعاً، هدفها دفن القضية الفلسطينية، وتهجير الفلسطينيين، وتخريب المنطقة، وإخضاع مَن يبقى فيها وما يبقى عليها.

االعربي الجديد
أخبار مماثلة